الشيعة في لبنان : من مشروع الدولة إلى مأزق الاحتكار

بقلم جاد الأخوي

من الإمام موسى الصدر إلى السيّد محمد مهدي شمس الدين… وصولًا إلى اليوم.

لم يكن حضور الشيعة في لبنان، حتى ستينيات القرن الماضي، حضورًا سياسيًا فاعلًا بقدر ما كان وجودًا ديموغرافيًا مهمّشًا. طائفة واسعة العدد، فقيرة في الأطراف، غائبة عن القرار، ومحرومة من التنمية والتمثيل. من هذه الهوّة التاريخية خرج مشروع الإمام موسى الصدر، لا بوصفه مشروع طائفة في مواجهة طوائف، بل بوصفه محاولة لإدخال الشيعة إلى قلب الفكرة اللبنانية: الدولة، العدالة، الشراكة.

الإمام موسى الصدر: نقل الشيعة من الهامش إلى المعادلة

شكّل وصول الإمام موسى الصدر إلى لبنان في أواخر الخمسينيات نقطة تحوّل مفصلية. لم يتعامل مع الشيعة كجماعة مظلومة فحسب، بل كمكوّن مؤسِّس في الكيان. كان وعيه أن الحرمان ليس قدرًا اجتماعيًا، بل نتيجة غياب الدولة أو انحرافها. من هنا، جاء تأسيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى عام 1969 كإعلان سياسي بقدر ما هو ديني: اعتراف رسمي بدور الشيعة في النظام، وإطار لانتقالهم من الاحتجاج إلى المشاركة.

تميّز خطاب الصدر بثلاث سمات أساسية:

أولًا، ربط الكرامة الاجتماعية بالمواطنة لا بالعصبية.

ثانيًا، رفضه القطيعة مع بقية اللبنانيين، وإصراره على العيش المشترك خيارًا نهائيًا.

ثالثًا، اعتباره أن الدولة العادلة هي الضامن الوحيد للجنوب كما لبيروت والضاحية.

حتى حين أطلق “حركة المحرومين” ثم “أفواج المقاومة اللبنانية – أمل”، لم يكن هدفه إنشاء ميليشيا طائفية، بل تنظيم قوة ضغط اجتماعية–سياسية تحمي الناس وتُجبر الدولة على تحمّل مسؤولياتها. كان السلاح، في منطقه، وظيفة ظرفية لا هوية دائمة.

اختفاء الإمام موسى الصدر عام 1978 لم يكن حدثًا شخصيًا، بل زلزالًا سياسيًا. فقدت الطائفة قائدًا كان يمسك التوازن الدقيق بين الحقوق الطائفية والمشروع الوطني، وفتحت غيبته الباب أمام مسارات لم تكن في حساباته.

محمد مهدي شمس الدين: فقيه الدولة في زمن الانقسامات

في خضم الحرب الأهلية وصعود المشاريع المتنازعة، برز السيّد محمد مهدي شمس الدين كامتداد فكري عميق لخط الصدر، ولكن بأدوات مختلفة. لم يكن زعيم شارع ولا قائد تنظيم، بل مفكّرًا وفقيهًا سعى إلى تحصين موقع الشيعة داخل الدولة، لا خارجها.

طرح شمس الدين أفكارًا كانت، ولا تزال، شديدة الجرأة في السياق اللبناني: رفض ولاية الفقيه كنظام حكم خارج إيران، التأكيد على نهائية الكيان اللبناني، والدعوة إلى ما سمّاه “الوصاية المتبادلة” بين الطوائف داخل الدولة، بدل هيمنة طائفة أو حزب. في نظره، لا خلاص للشيعة إلا بدولة قوية، ولا معنى لقوة الطائفة إن كانت على حساب الكيان.

شدّد شمس الدين على أن المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي هي حق وواجب، لكن تحويلها إلى مشروع سلطة أو هوية دائمة يُفقدها معناها الوطني. كان يرى خطرًا حقيقيًا في اختزال الطائفة بحزب، أو ربط مصيرها بمحور خارجي، أيًّا كان.

سياسيًا، خسر شمس الدين معركته. موازين القوى الإقليمية، والحرب، وصعود السلاح، جعلت خطابه أقل تأثيرًا في الشارع. لكنه فكريًا أسّس لمدرسة شيعية سيادية لا تزال تشكّل مرجعية لكل معارضة شيعية وطنية حتى اليوم.

من التحرير إلى الاحتكار: التحوّل الكبير

شكّل انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000 لحظة إجماع وطني نادرة. بدا وكأن لبنان أمام فرصة تاريخية: إنجاز المقاومة يمكن أن يتحوّل إلى رصيد للدولة، والسلاح يمكن أن يعود تدريجيًا إلى المؤسسات الشرعية. لكن ما حدث لاحقًا سار في الاتجاه المعاكس.

تحوّل حزب الله، تدريجيًا، من قوة مقاومة إلى قوة إقليمية مرتبطة بمحور أوسع من لبنان. ومع هذا التحوّل، تغيّر موقع الشيعة داخل المعادلة الوطنية: من شركاء يسعون إلى الدولة، إلى طائفة يُقدَّم لها السلاح كبديل عن الدولة، والولاء كبديل عن المواطنة.

لم يعد الخلاف سياسيًا فقط، بل وجوديًا. فاحتكار التمثيل داخل البيئة الشيعية، وربط “الكرامة” بخيار واحد، أدّيا إلى إسكات أي صوت معارض أو مختلف. بات الشيعي الذي يطالب بالدولة، أو بالحياد، أو بفصل مصير الطائفة عن صراعات الإقليم، متَّهَمًا في وطنيته أو انتمائه.

الكلفة الباهظة على الطائفة

خلال السنوات الأخيرة، دفعت البيئة الشيعية أثمانًا هائلة:

عزلة عربية ودولية،
انهيار اقتصادي طال مناطقها بقسوة،
هجرة كثيفة لشبابها،
وتحمّل كلفة حروب وقرارات لم تُستشر فيها.

المفارقة أن الطائفة التي ناضلت تاريخيًا ضد الحرمان، تجد نفسها اليوم رهينة معادلة قوة لا تحميها من الفقر ولا من العزلة، بل تعمّقها. ومع ذلك، لا تزال مساحات الاعتراض محدودة، إما خوفًا أو يأسًا أو غيابًا للتنظيم.

سؤال المستقبل: استعادة المشروع أم تكريس المأزق؟

اليوم، يقف الشيعة في لبنان أمام مفترق تاريخي يشبه، في عمقه، لحظة ما قبل الإمام موسى الصدر. السؤال لم يعد عن سلاح أو حزب، بل عن هوية ودور:

هل يريدون أن يكونوا طائفة مسلّحة خارج الدولة؟

أم مكوّنًا وطنيًا أساسيًا داخلها؟

استعادة تراث موسى الصدر في العدالة الاجتماعية، وفكر محمد مهدي شمس الدين في الدولة والسيادة، ليست مسألة حنين، بل شرط بقاء. فالطائفة التي تختزل نفسها بالقوة تفقد قدرتها على الشراكة، والطائفة التي تفقد الشراكة تفقد المستقبل.

المهم اليوم ان هذا النقاش لا يجب ان يكون شأنًا شيعيًا داخليًا فقط، بل مسألة لبنانية عامة. لأن إعادة إدماج الشيعة في مشروع الدولة، كما أراده الصدر وشمس الدين، هي المدخل الضروري لإعادة بناء لبنان نفسه.

اخترنا لك