خاص بوابة بيروت

كاتب وناشط سياسي
مع تسارع الأحداث العالمية والتقدم التكنولوجي المتلاحق، تجد الدول المتقدمة أن بقاءها في القمة لم يعد خيارًا، بل ضرورة وجودية. هذا البقاء بات مرتبطًا بشكل مباشر بالسيطرة على أهم مصادر الطاقة، من معادن نادرة ونفط وغاز، باعتبارها عصب الاقتصاد الحديث ومحرك الصناعات المستقبلية.
من هنا، تبلورت لدى دونالد ترمب قناعة واضحة مفادها أن استمرار الولايات المتحدة في صدارة الاقتصاد العالمي يستدعي الهيمنة المباشرة على ثروات العالم الطبيعية، دون اكتراث كبير بما يُعرف بالحلفاء التقليديين أو حتى بتوازنات القوى الدولية. فالعالم، من وجهة نظره، يُدار من موقع القوة، والقوة تُبنى على المخاطرة، وهو رجل أعمال قبل أن يكون سياسيًا، يرى الأمور بعين التاجر لا بعين الدبلوماسي.
اليوم، ترى أميركا أن مصدر قوتها الحقيقي يكمن في اقتصادها وقدرتها على مواجهة التحديات الاقتصادية العالمية، دون الالتفات كثيرًا إلى الاعتبارات الأخلاقية أو السياسية. ترمب ينظر إلى العالم بالأرقام، ويقيس العلاقات والمواقف بلغة الربح والخسارة. بالنسبة له، السيطرة على منابع النفط والمعادن أهم من مراعاة حكومات أو سلوك المسارات الدبلوماسية الطويلة.
همّه الأول يتمثل في محاربة التضخم داخل بلاده، ووقف التفوق الصيني المتسارع، وضمان بقاء الولايات المتحدة في قمة الهرم الاقتصادي العالمي. الهدف واضح، والطريق إليه لا يحتمل التردد.
ترمب لا يتعامل بمنطق الحلفاء التقليديين، بل بمنطق الرئيس والمرؤوس، إما أن تكون معي وتنفذ ما أريد فأنت حليفي، أو أن تخالف إرادتي فأنت عدوي، حتى لو كنت بالأمس صديقًا. لذلك، لم يعد الحليف الفرنسي، على سبيل المثال، كما يريده ترمب ما دام يسير بعكس التوجه الأميركي. وفي المقابل، قد يتحول أعداء الأمس إلى أصدقاء اليوم، كما في بعض المقاربات تجاه دول كانت تُصنَّف سابقًا في خانة الخصوم.
إن ترمب يحاول إدارة العالم وفق خطة واضحة المعالم، أساسها الاقتصاد، ويحتفل بالنصر حين يحقق أهدافه، مهما كانت الكلفة السياسية. إنه أسلوب جديد في الحكم الدولي، لا يراه كثيرون منطقيًا أو متوازنًا، لكنه يراه واقعيًا من منظاره الخاص، ويتوقع أن يسايره الآخرون لأنه الأقوى.
اليوم، تتجه الأنظار إلى إيران، حيث ينتظر الجميع ما ستؤول إليه الأحداث. التوقعات تميل لصالح الولايات المتحدة، لكن المفاجآت تبقى واردة. قد يسقط النظام، أو قد يعيد ترمب صياغة المشهد من جديد، خصوصًا إذا تعرض لضغوط من اللوبي الصهيوني. وكما ذُكر في مقال سابق، فإن أحد أهم حلفاء الصهيونية العالمية “paradoxically” هو النظام الإيراني ذاته.
فهل يتغير الواقع في إيران؟ هل يعود الشاه وتقلب المعادلات؟ أم يعبد ترمب اعتبارات جديدة تُبقي النظام، ولكن ضمن توازنات مختلفة، تفتح خطوطًا اقتصادية جديدة ترعى المصالح الأميركية أولًا؟
يبقى الجواب مرهونًا بأحداث اليوم وما سيليها من ضربات وتحولات، في عالم لم يعد تحكمه الشعارات، بل المصالح الصلبة ومنطق القوة.