خاص بوابة بيروت

رئيس التحرير
ما يواجهه لبنان اليوم ليس رأيًا “سياسيًا” مطروحًا للنقاش، بل تهديدًا مقنّعًا يُراد فرضه كسيفٍ على رقاب اللبنانيين.. كلام محمود قماطي، عضو المجلس السياسي في “حزب الله”، ليس تحذيرًا على الاستقرار، بل تهديدًا صريحًا للدولة، ورسالة فظة مفادها أن أي محاولة لاستعادة السيادة ستُواجَه بالفوضى، وأن من يجرؤ على الاقتراب من سلاح الميليشيا سيدفع ثمنًا داخليًا باهظًا.
هذا الخطاب ليس دفاعًا عن السلم الأهلي، بل ابتزازًا سياسيًا مكشوفًا. فربط قيام الدولة بالحرب الأهلية يعني عمليًا إلغاء الدولة، وتجريم الدستور، وتحويل الوطن إلى رهينة دائمة لمشروع خارجي تقوده طهران وتنفّذه أذرعها. من يلوّح بالحرب كلما طُرح سؤال السيادة، هو ذاته من راكم أسباب الانهيار، وشرّع الأبواب أمام الخراب، وغطّى الفساد بالسلاح، والعجز بالشعارات.
الحقيقة التي يحاول هذا الخطاب طمسها واضحة: الفوضى لم تبدأ حين طالَب اللبنانيون بدولة، بل حين فُرض عليهم منطق الدويلة. الانهيار لم يولد من رحم المؤسسات، بل من تعطيلها. العزلة لم تكن خيار الدولة، بل نتيجة ارتهان قرارها لمحور إيران. ومن يتحدث اليوم عن الخوف من الحرب الأهلية، هو نفسه من استخدمها فزّاعة كلما اهتزّت هيمنته.
“حزب الله” لا يحذّر من الفوضى، بل يهدد بها. لا يدافع عن الاستقرار، بل يحتكره. ولا يحمي لبنان، بل يستخدمه ساحةً متقدمة في صراع إقليمي لا ناقة للبنانيين فيه ولا جمل. أما إيران، التي تقف خلف هذا الخطاب، فهي لا ترى في لبنان وطنًا، بل ورقة تفاوض، وخزانًا بشريًا، ومنصة ضغط تُستنزف حتى آخر قطرة.
القول إن حصر السلاح بيد الدولة يقود إلى الحرب هو اعتراف صريح بأن السلاح خارج الدولة هو مصدر العنف الحقيقي. وهو إقرار بأن المشروع القائم لا يستطيع العيش إلا على التخويف، ولا يستمر إلا بإبقاء البلد على حافة الانفجار. هذه ليست مقاومة، بل وصاية. وليست شراكة وطنية، بل حكم بالقوة.
لبنان اليوم في لحظة فاصلة. لم يعد الخوف مجديًا، ولم تعد لغة التهديد قادرة على إخضاع شعب خبر الانهيار ولم ينكسر. اللبنانيون لم يعودوا يطلبون إذنًا لبناء دولتهم، ولا يقبلون أن يُخيَّروا بين السيادة والحرب. خيارهم واضح: دولة واحدة، جيش واحد، قرار واحد، وسلاح واحد تحت سلطة الشرعية.
محور إيران، بكل أدواته وخطابه المتعالي، يتآكل من الداخل، ويخسر شرعيته يومًا بعد يوم. ومحاولة جرّ لبنان إلى الغرق معه لن تنجح. هذا البلد الذي نجا من الحروب والوصايات لن يخضع لميليشيا، ولن يُدار بالتهديد. إرادة اللبنانيين في بناء دولة قادرة وعادلة أقوى من كل سلاح غير شرعي، وأبقى من كل محاور الشر، وأعلى من كل نعيق التخويف والترهيب.