بقلم بسام سنو – خاص بوابة بيروت
@sinno_bassam

كاتب وناشط سياسي
يبدو أن النظام الإيراني، الذي أُسِّس في أواخر سبعينيات القرن الماضي عقب الإطاحة بشاه إيران، قد استنفد دوره الوظيفي الذي وُضع من أجله. فالدول، في جوهر سياساتها، لا تُدار بالقيم أو الشعارات، بل بالمصالح، ومصالح الولايات المتحدة وأوروبا آنذاك كانت تقضي بإنهاء حكم الشاه، لا لأنه كان طاغية، بل لأنه لم يعد يخدم رؤيتهم المستقبلية للمنطقة، خاصة بعد توقيع معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل.
بعد سقوط الشاه، تغيّرت المعادلة. فـ”العدو المخيف” أصبح وديعًا، وكان لا بد من إيجاد بديل جديد يعيد التوازن الذي يخدم المصالح الغربية. من هنا، جاء مشروع الخميني، لا كنقيض للغرب كما رُوِّج له، بل كأداة جديدة بغطاء أيديولوجي مختلف، يرفع شعارات براقة مثل “نصرة القضية الفلسطينية” و”محاربة الإمبريالية”، بينما في الواقع كان يعقد تحالفات تحت الطاولة مع أنظمة مرتبطة بإسرائيل، ويُعاديها فقط في خطاباته الإعلامية.
رفعت إيران شعار “الممانعة”، فخدمت الغرب من حيث لا يعلن، وساهمت في زعزعة الاستقرار في الدول العربية، خصوصًا في منطقة الخليج. انشغل العالم بصراعات مفتعلة، وحروب بالوكالة، وصراعات طائفية، بينما كانت المصالح الكبرى تُدار بهدوء في الغرف المغلقة. إنها، بلا شك، امتداد لمخططات هنري كيسنجر الجهنمية التي قامت على مبدأ: إدارة الفوضى بدل إنهائها.
هذه السياسات دمّرت أممًا بأكملها؛ من لبنان إلى العراق، ومن سوريا إلى اليمن، مرورًا بليبيا والسودان، وكادت أن تقضي على مصر ودول الخليج. كانت سياسة “محاربة الإرهاب بالإرهاب”، و”محاربة الفساد بالفساد”، و”مواجهة الصهيونية بالرجعية”، والنتيجة واحدة: دول منهكة، شعوب مشردة، واقتصادات منهارة.
لقد خدم النظام الإيراني مصالح الغرب وإسرائيل أكثر مما خدمها الصهاينة أنفسهم. جنّد الميليشيات، وحرّض الشعوب، وأسقط الدول، وحوّل اقتصاداتها إلى رهائن لمطامعه ولمطامع “العمامة السياسية” التي لم تعرف من الدين سوى استغلاله.
اليوم، تبدّلت المصالح الأمريكية. لم تعد واشنطن بحاجة إلى أنظمة تُدار عبر الفوضى غير المنضبطة، بل أصبحت أولوياتها تتجه نحو السيطرة المباشرة على مصادر الطاقة وضمان أمنها دون وسطاء. لم يعد من مصلحتها وجود أنظمة تُنتج عدم الاستقرار المزمن الذي قد يخدم، في نهاية المطاف، صعود قوى منافسة كالصين.
مع وصول دونالد ترامب، ظهر نهج مختلف، أكثر صراحة واندفاعًا. لم يعد هناك اهتمام بإبقاء أنظمة مثل النظام الإيراني، أو الأنظمة المتحالفة معه في سوريا واليمن، ولا حتى أنظمة مشابهة في إفريقيا وأمريكا الجنوبية كفنزويلا وكوبا. ترامب واضح: لا تحالفات رمادية، لا مفاوضات تحت الطاولة، إما أن تكون معي وتخدمني، أو ضدي وتُصنَّف كعدو.
من هذا المنطلق، يقدّم ترامب نفسه “ولو من باب المصلحة لا الإنسانية” كمن يريد “خدمة الشعوب”، ومن بينها الشعب الإيراني نفسه، عبر إنهاء حكم العمامات التي قمعت الحريات، وبددت الثروات، وزجّت بإيران في صراعات لا تخدم إلا بقاءها في السلطة. وهو مستعد لأن يكون “القاضي الصعب” الذي يتخذ قرارات حاسمة لإنهاء نزاعات طال أمدها، مهما كانت كلفتها السياسية.
في النهاية، قد تختلف النوايا، لكن الثابت أن النظام الإيراني الحالي لم يعد صالحًا حتى لأسياده السابقين. ومع تغيّر موازين القوى، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يدفع الشعب الإيراني، وشعوب المنطقة، ثمن نهاية هذا المشروع كما دفعوا ثمن قيامه؟ أم أن لحظة الخلاص باتت أقرب مما نتصور؟