NW
في ردّه على تصريح وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي الذي قال فيه إن الجيش اللبناني قادر على مواجهة “حزب اللّه” إذا اقتضت الضرورة، وصف عضو كتلة “الوفاء للمقاومة” نائب “حزب اللّه” حسن فضل اللّه الوزير رجي بـ “العنصر الميليشياوي الذي لا يزال يعيش ثقافة الحرب التي تربّى عليها في مدرسة حزبه التي كان من اختصاصها قتل جيشنا الوطني”.
وغاب عن النائب فضل اللّه الذي ما زالت جماعته، ترفض تنفيذ قرار مجلس الوزراء في 5 آب 2025 بحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية وسحبه من مختلف “الجماعات المسلّحة”، أن جماعته هذه كانت شريكًا أساسيًا في الحرب الأهلية اللبنانية وكانت من ميليشيات الحرب التي عاثت في البلاد حروبًا وتدميرًا، وفعلت ما فعلته في ضباط الجيش اللبناني وجنوده من قتل واغتيال واحتلال ثكناته.
ولتنعيش الذاكرة وسرد الحقائق وإظهار المخفيّ، ومنعًا لاستمرار حملات التضليل والتمويه، نسرد بعض الحقائق التاريخية بإطار توثيقيّ منهجيّ:
كمين بريتال
فمع بدايات ظهور ما يسمّى بأمّة “حزب اللّه” في لبنان ولا سيّما في بعلبك حيث بدأ وجودها يظهر ويطغى، أقدمت مجموعة من المسلّحين على قتل الضابط في الجيش اللبناني عصام شمعون وخمسة عسكريين هم العريف نصري مسلماني والعريف أحمد صليبي والجندي محمود عبد اللّه والجندي أحمد المصري والجندي حسين عامر، وإصابة 12 عسكريًا بينهم قائد لواء المشاة الأول العقيد إبراهيم شاهين في اعتداء تعرّضت له صباح 4 آذار 1983 قافلة من الجيش عند مفرق بريتال وهي في طريقها إلى حقل الرماية في بلدة الطيبة في جرود بعلبك، سبق ذلك الاعتداء توزيع بيان حمل توقيع “الجمعيات المسلمة في البقاع” حمل على الجيش اللبناني واتهمه بأنه فئوي وطائفي وحذر من استمراره في القيام بأعمال ظاهرها إنسانيّ. ادّعى النائب العام العسكري السيد جميل بيرم في هذه القضية على ثلاثة موقوفين منهم جميل عمار الموسوي مسؤول العلاقات العربية والدولية الحالي في “حزب اللّه” وعلى فارين بينهم النائب السابق حسين الموسوي، وأحال الملف على قاضي التحقيق العسكري.
احتلال ثكنة الشيخ عبد اللّه
في 3 أيلول 1983 وبدعم من الحرس الثوري الإيراني الموجود في المنطقة، أقدمت مجموعة كبيرة من المسلّحين بقيادة السيد عباس الموسوي الأمين العام الأسبق لـ “حزب اللّه” على احتلال سيار الدرك في بعلبك وثكنة الشيخ عبد اللّه وإطلاق اسم “ثكنة حزب اللّه – الإمام الخميني” عليها، سبقت ذلك، مسيرة شعبية تحت عنوان التأييد دخلت إلى الثكنة واعتصمت فيها، وكان من أبرز منظميها الشيخ محمد يزبك رئيس الهيئة الشرعية في “حزب اللّه”، ليتفاجأ العسكريون في الثكنة في الليل بطوق ضربه عدد كبير من المسلّحين، دخلوا إلى الثكنة مدجّجين بمختلف أنواع الأسلحة الرشاشة والصاروخية وراحوا ينتشرون في الثكنة ويرفعون على أبنيتها ومخافرها رايات إسلامية وشعارات “حزب اللّه”، وتمّ تحويلها بحسب بيان لـ “حزب اللّه” إلى مركز للتدريب والتعبئة الشاملة لـ “الحزب”.
اغتيال ضباط وعناصر الجيش في منطقة رياق
وجّهت اتهامات كثيرة للجماعات الموالية لإيران باغتيال ضباط من الجيش اللبناني خلال الحرب الأهلية بدعم وتوجيه من النظام الأسدي، ومن ضباط الجيش الذين تم اغتيالهم، قائد قاعدة رياق الجوية العقيد الطيار سليمان مظلوم الذي اغتيل في 2 حزيران 1985 بإطلاق نار وهو متوجّه من منزله في أبلح إلى قاعدة رياق الجوية، والملازم أول جورج شمعون الذي اغتيل في 2 تشرين الثاني من العام نفسه في رياق وهو متوجّه إلى عمله في القاعدة الجوية بكاتم صوت، كما تمّ اغتيال الرائد في الجيش اللبناني أمين قاسم في منطقة فردان في 9 نيسان 1986 بالأسلوب نفسه، وكذلك رئيس أركان اللواء الأول العقيد ميشال زيادة الذي اغتيل بإطلاق النار عليه من أمام منزله في رياق حيث كان متجهًا إلى ثكنة أبلح في 11 آب 1986، بالإضافة إلى العديد من العسكريين الذين تمّ اغتيالهم بالأسلوب نفسه في البقاع في تلك الفترة، وقد أوردت الصحف المحلية نقلًا عن قيادة الجيش بيانًا جاء فيه “… إن العقيد زيادة هو العسكري المسيحي السابع الذي يغتال خلال فترة سنة في منطقة البقاع بعد العقيد الطيار الشهيد سليمان مظلوم والملازم الشهيد جورج شمعون والجندي الشهيد إميل عون والمؤهل الشهيد خليل شمعون والرقيب أول الشهيد إميل حنا… إن ما يجري على أرضنا وحول مؤسساتنا هو مفاعيل نيات هدّامة تعمد من خلالها إلى التشكيك في الكل من خلال شرذمة الأجزاء، وإن فاعليها بلغوا من الانحطاط واللادين أقصى حدود الناقض في الادّعاء والوعود…” وبعدها بيوم، أكد “حزب اللّه” في رسالة إلى حجّاج بيت الله الحرام “رفضه دور الجيش في تسلّم أية مهمات أمنية خصوصًا في الضاحية الجنوبية، وإن عيوننا تلاحقه حذرًا منه ومن غدره…”.
اغتيال ضباط الجيش اللبناني خلال معارك “حركة أمل” و “حزب اللّه”
جنوبًا، في أواخر الثمانينات وأثناء احتدام الصراع بين حركة “أمل” و “حزب اللّه” حول قرار الجنوب، تمّ اغتيال ضابط الارتباط مع القوّة الدولية في ثكنة صور النقيب كاظم درويش في منطقة الحوش بعد اعتراض سيارته من قبل مسلّحين في منطقة الحوش بتاريخ 24 حزيران 1987، والملازم أول في الجيش اللبناني طلال محمد قانصو على طريق كوثرية السياد – الغسانية في 7 آذار 1988، وقد وجّهت أصابع الاتهام إلى الجماعات المرتبطة بطهران ضمن الصراع الذي كان قائمًا جنوبًا حول السيطرة على قرار الجنوب بين حركة “أمل” التي كانت ترفع شعار “قرار الجنوب اللبناني للجنوبيين” وبين مشروع تصدير الثورة الإسلامية المتمثل بـ “حزب اللّه”، وندّد المسؤول التنظيمي لحركة “أمل” في الجنوب عاطف عون باغتيال قانصو، واعتبر “أن الهجمة على ضباط الجيش اللبناني وقياداته، مساس بأمن الجنوب الذي هو أمن المقاومة”، وشدّد المكتب الإعلامي لإقليم الجنوب على أن الاغتيال”يدخل في صميم المؤامرة التي يتعرّض لها الجنوب على يد اللاهثين وراء الدولار والارتباطات المشبوهة المريبة التي لا يقرّها دين ولا يجيزها شرع”.
الجيش اللبناني بين حملات التشويه والتخوين والقتل
بعد نهاية الحرب الأهلية اللبنانية، تعرّض الجيش اللبناني للعديد من حملات التشويه والتخوين من قبل جماعة “حزب اللّه”، لا سيّما في أيلول 1993 بعد أحداث طريق المطار، وفي كانون الثاني 2008 في أحداث مار مخايل، حيث تحوّل الجيش في أدبيات مسؤولي “حزب اللّه” ونوابه إلى “الجيش الفئوي المستزلم للسلطة”! وفي 28 آب 2008، اغتال “حزب اللّه” الملازم أول الطيّار سامر حنا من خلال إطلاق النار على طوّافته، الذي تحوّل خلال التحقيق إلى “جريمة قتل دون قصد” تُسأل عنها المحكمة العسكرية وقضاتها في تلك الفترة.
يظهر ممّا سلف عدم جواز تبني أدبيّات ومفردات، والعمل خلافها، فمن يريد أن يصبغ الناس بأوصاف وتشبيهات عليه أن ينظر إلى نفسه قبلًا، ويرى ما اقترفت أياديه، ومن ثمّ يكيل التوصيفات والاتهامات، فمن كان منزله من زجاج فلا يجوز أن يرشق الناس بالحجارة، وإن لم تستحِ فافعل ما شئت.