السيادة المؤجلة : هل يغادر #العهد “الهامش”؟

بقلم مروان الأمين
@m_elamine

في الذكرى الأولى لانتخابه رئيسًا للجمهورية، أطلق الرئيس جوزاف عون في مقابلة إعلامية سلسلة مواقف لافتة، سرعان ما تفاعل معها الرأي العام بين مرحّب بها ومعترض عليها.

لكن لا بدّ من التوقف عند موقفه من السلاح. خاطَب عون “حزب اللّه” هذه المرّة بلا قفازات. فقد أعلن بوضوح أنه لا يعارض مبدأ السلاح إذا كان قادرًا على ردع إسرائيل، وحماية لبنان، وتحرير الأرض. لكن هذا السلاح لم يعد يحقق أيًا من هذه الأهداف، وأصبح عبئًا على الشيعة وعلى جميع اللبنانيين.

أوصل عون رسالة لا تحتمل التأويل: إن كانت لدى “حزب اللّه” القدرة الحقيقية على أداء هذه المهام، فليتفضل لا أحد يمنعه، لكن التجربة منذ أكثر من سنة أثبتت أن السلاح عاجز عن ذلك، لذا عليه أن يُسلّمه إلى الدولة.

ليس مستغربًا أن ينزعج “الحزب” من هذا الموقف، فهو يعمل بشكل حثيث على الفصل بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة نواف سلام، بهدف تحويل مسألة السلاح من صراع بين الشرعية والدويلة إلى خلاف سياسي عاديّ بين طرف في السلطة، أي رئيس الحكومة، و “حزب اللّه”.

بكلامه الصريح، أسقط عون أيّ التباس حول غطاءٍ شرعيّ متبقٍ للسلاح، وأعاد رسم خطوط السيادة بوضوحٍ حاسمٍ: الشرعية بكلّ مؤسساتها في ضفةٍ واحدةٍ، و “حزب اللّه” بسلاحه في موقع الخارج عن الشرعية.

يمكن قراءة موقف عون من السلاح بوصفه استكمالًا لخطاب القسم. لكنه، في هذا التوقيت، ليس موقفًا معزولًا، بل يندرج في سياق مواكبة متغيّرات دقيقة تحيط بلبنان وتضغط مباشرة على موقع الدولة ودورها.

العامل الأول يرتبط بالتحذيرات المتزايدة من احتمال تصعيد عسكريّ إسرائيلي، ما يدفع عون إلى اعتماد سياسة الوقاية السياسية، وكأنه يقول بوضوح: الدولة غير معنيّة بأي مغامرة لا قرار لها فيها، و “تغسل يديها” من سلاح لا يخضع لسلطتها.

أمّا العامل الثاني، وهو الأهم، فيتصل بالتحركات الشعبية المتصاعدة ضد نظام الملالي في إيران، وهي تحرّكات تختلف جذريًا عن سابقاتها، سواء من حيث زخمها الداخلي أو مستوى الاحتضان والمتابعة الدولية التي تحظى بها، ولا سيّما الأميركية منها. هذا التحوّل لا ينعكس على الداخل الإيرانيّ فحسب، بل يمتدّ تأثيره إلى ساحات النفوذ الإقليمي، وفي مقدّمها لبنان. وفي هذا السياق، يبدو أن عون يقرأ ملامح هذه الأحداث ويواكبها على المستوى الداخلي.

منذ انطلاقة العهد، بدت الهوّة واضحة بين الخطاب السياسي والخطوات التنفيذية. فالمواقف المعلنة ووعود السلطة كانت أكبر بكثير ممّا تُرجم على أرض الواقع، إذ التزمت الدولة عمليًا بالهامش الذي رسمه لها “حزب اللّه” في مقاربة الملف السيادي، متجنبة الدخول في صلب الإشكالية، ومكتفية بإدارة التوازنات بدل الحسم والإقدام. هذا النهج راكم إحباطًا واسعًا لدى الشريحة الكبرى من اللبنانيين.

اليوم، يسأل اللبنانيون: هل سيُقدم الرئيس عون على إخراج الدولة من ممارسة السيادة في “الهامش”، ونقلها، عبر خطوات تنفيذية واضحة، إلى موقع امتلاك القرار السيادي الكامل على امتداد الأراضي اللبنانية، بمعزل عن رضا “حزب اللّه” أو اعتراضه؟ إذ من الطبيعي ألا يتخلّى “الحزب” عن سلاح يؤمّن له نفوذًا سياسيًا ودورًا يتجاوز حدود الدستور والقانون، لكن غير الطبيعي، بل الخطير، أن تبقى السلطة السياسية أسيرة هذا الهامش، عاجزة عن الانتقال إلى صلب الموضوع من خلال الإقدام والفعل.

اخترنا لك