خاص بوابة بيروت

كاتب وناشط سياسي
في السنوات الأخيرة، بات واضحًا أن المواجهة مع الأحزاب والتنظيمات غير المنضوية بالكامل تحت سلطة الدولة لم تعد تُخاض بالسلاح أو بالخطاب السياسي وحده، بل انتقلت إلى مستوى أكثر عمقًا وتأثيرًا: الاقتصاد ومصادر التمويل. ومن هنا، يمكن فهم السياسة الأميركية تجاه الحزب على أنها تطبيق عملي لمقولة قديمة متجددة: قطع الأرزاق من قطع الأعناق.
اقتصاد بديل تحسّبًا لانقطاع الدعم
منذ وقت مبكر، انتهج الحزب سياسة استراتيجية قائمة على إنشاء وإنماء اقتصاد بديل خاص به، تحسّبًا لأي توقف محتمل في المدّ المالي الإيراني أو أي خلل يصيب منظومة الدعم القادمة من دول المحور. هذا التوجه لم يكن طارئًا، بل بُني تدريجيًا عبر سنوات طويلة، مستفيدًا من شبكة واسعة من الأنشطة الاقتصادية المشروعة وغير المشروعة.
وقد شكّلت عمليات تهريب الكبتاغون، إلى جانب أنشطة مالية وتجارية ممتدة بين لبنان وسوريا ودول في أميركا الجنوبية وأفريقيا، مصادر تمويل أساسية ساهمت في بناء هذا الاقتصاد الموازي، الذي سمح للحزب بالحفاظ على استقلالية مالية نسبية خارجة عن رقابة مؤسسات الدولة اللبنانية.
إلا أن الواقع اليوم تغيّر. فالتشدد الدولي، وتكثيف العقوبات، والتنسيق الأمني العابر للحدود، أدّت إلى جفاف ملحوظ في هذه المنابع، أو على الأقل إلى تضييق الخناق عليها إلى حدّ كبير.
المؤسسات كشبكة أمان أخيرة
في ظل تراجع الدعم الإيراني وانقطاع جزء كبير من التمويل غير الشرعي، وجد الحزب نفسه أمام خيار شبه وحيد: الاعتماد على المؤسسات التي أنشأها وطوّرها على مدى سنوات. هذه المؤسسات، التي شملت قطاعات تعليمية وخيرية واجتماعية وتجارية ومالية، تحوّلت اليوم إلى خط الدفاع الاقتصادي الأخير.
فمن خلال ضخ الأموال فيها وتكبير حجمها التنافسي، يسعى الحزب إلى:
- تأمين فرص عمل لمجتمعه الحاضن
- توليد دخل داخلي مستدام
- إبقاء مؤسساته الاجتماعية والتعليمية على قيد الحياة
- الحفاظ على تماسك بيئته التنظيمية
وبذلك، لم تعد هذه المؤسسات مجرد أطر خدماتية، بل أصبحت جزءًا لا يتجزأ من منظومة التمويل الذاتي.
غير أن استمرار هذه المؤسسات في لعب دور الداعم الأساسي للحزب يضع شريحة واسعة من اللبنانيين، ولا سيما المعارضين لسياساته والمؤمنين بإعادة بناء الدولة، أمام تحدٍ جوهري. فوجود اقتصاد موازٍ يعمل خارج قواعد الشفافية والمحاسبة يقوّض أي محاولة لإرساء دولة القانون والمؤسسات.
من هنا، يبرز الحل المدني والاقتصادي الأمثل، والمتمثل في:
- مقاطعة مؤسسات الحزب
- مقاطعة نشاطاته التجارية، بما فيها تلك التي
- تعمل عبر البيع على وسائل التواصل الاجتماعي
- الامتناع عن التعامل مع شبكاته الاقتصادية
إلى جانب ذلك، تبرز ضرورة مراقبة حركته الاقتصادية بشكل منهجي، من خلال:
- رصد المخالفات المالية
- منع التهرب الضريبي على الأرباح
- التشدد في تحصيل الضريبة على القيمة المضافة
- فرض دفع الرسوم الجمركية عند الاستيراد والبيع ومنع ادخل البضائع تحت اسماء جمعيات خيرية معفاة من الضرائب والرسوم الجمركية
واضعاً حداً للمنافسة غير الشريفة التي تضرّ بالاقتصاد الشرعي وبالقطاع الخاص اللبناني.
الدور الأميركي، من العقوبات إلى الرقابة
في هذا الإطار، يمكن فهم الحرص الأميركي على دعم الرقابة الجمركية اللبنانية، ولا سيما عبر تقديم معدات سكانر متطورة كهبات للمطار والمرافئ اللبنانية. الهدف من هذه الخطوة واضح: الحد من التهرب الجمركي الذي شكّل لسنوات طويلة أحد أهم مصادر الدخل غير الشرعي.
غير أن هذه المعدات بقيت لفترة طويلة خارج الخدمة، نتيجة وجود عناصر تابعة للحزب داخل المرافئ، ما عطّل استخدامها وأفرغها من مضمونها. هذا الواقع دفع الحكومة الأميركية إلى زيادة ضغوطها السياسية والإدارية، مطالبة بتعيين إدارة جديدة للمرفأ وإدارة جديدة للجمارك وحتى تلزيم ادارة المرفأ لشركة دولية وافقت عليها الحكومة الاميركية ، قادرة على تفعيل هذه الرقابة.
زيارة السفير كانت رسالة لا صدفة
من هذا المنطلق، لا يمكن اعتبار زيارة السفير الأميركي إلى المرفأ، برفقة وزير الأشغال، حدثًا بروتوكوليًا عابرًا. بل هي رسالة مباشرة تؤكد حرص الإدارة الأميركية على تفعيل أدوات الرقابة الجمركية، وتشديد المتابعة على حركة الاستيراد والتصدير.
فالزيارة جاءت لتؤكد أن واشنطن ماضية في خيار تجفيف مصادر الدخل غير الشرعي، لا عبر المواجهة المباشرة، بل عبر إحكام الرقابة ومنع استغلال المرافق العامة.
واضعة القطاع المالي تحت المجهر
بتكامل هذا المسار مع تشديد الرقابة على الشركات والمؤسسات المالية التابعة للحزب، وفي مقدّمها مؤسسات الإقراض والتحويل المالي، مثل “القرض الحسن”، الذي وضع تحت تصنيف أرهابي إضافة إلى شركات تحويل الأموال الأخرى كـ“ويش” و“OMT”، من خلال فرض قيود صارمة على مصادر الأموال المحوّلة داخل لبنان وخارجه.
الهدف هنا ليس فقط ضبط التحويلات، بل إقفال القنوات الرمادية التي تسمح بتدوير الأموال خارج النظام المالي الرسمي، وتُستخدم لتمويل نشاطات غير خاضعة للمساءلة.
خلاصة، معركة اقتصادية لا عسكرية
في المحصلة، يتبيّن أن السياسة الأميركية تجاه الحزب تقوم على مبدأ واضح: تجفيف الموارد مرفق بالتصفيات الجسدية للقيادة وضرب مستودعات الأسلحة . فحين تُقطع مصادر التمويل، ويُمنع الاقتصاد الموازي من العمل خارج القانون، تتراجع القدرة على الاستمرار والتوسّع.
وهكذا، تتحوّل مقولة قطع الأرزاق من قطع الأعناق من شعار إلى سياسة عملية، تُدار بأدوات الرقابة، والضرائب، والجمارك، والشفافية المالية. وهي، في نهاية المطاف، المعركة الأكثر هدوءًا، والأكثر تأثيرًا، على طريق استعادة الدولة وبناء اقتصاد عادل يخضع فيه الجميع للقانون دون استثناء.