بقلم زكي طه
بين الحروب والنزاعات الاقليمية المفتوحة وعوامل السيطرة الأميركية وشروط الاخضاع الاسرائيلي، واستحالة إدارة الأزمة بالإنكار، يقف لبنان اليوم عند مفترق خطير وصعب في آن. لا يختصره الانهيار المالي ولا الأزمات الاجتماعية وحدها، بل يتمثّل في مأزق سياسي ـ سيادي عميق يضعه بين مسارين متناقضين ظاهريًا ومتكاملين عملياً: الخضوع المتدرّج لشروط الهيمنة الخارجية، أو الانزلاق نحو انفجار واسع قد يتّخذ أشكالًا أمنية واجتماعية وسياسية متداخلة.
هذا المأزق ليس جديدًا في بنيته، لكنه غير مسبوق في خطورته. فالعناصر التي حكمت التجربة اللبنانية لعقود طويلة، بين سلاح خارج الدولة، واعتداءات إسرائيلية متكررة، ووصايات خارجية، ونظام طائفي مأزوم، وانقسام داخلي مزمن يعطل أي قرار سيادي جامع، تبدو اليوم أشد خطورة من أي مرحلة سابقة، لأن هوامش المناورة التي استخدمتها القوى الحاكمة تاريخيًا لتأجيل الاستحقاقات المصيرية قد استُنفدت بالكامل، على نحو باتت معه القرارات الكبرى تُصاغ وتُفرض من خارج السياق اللبناني، وضمن حروب إقليمية متعددة الجبهات، تُدار تحت راية إعادة رسم أوضاع بلدان المنطقة، لا احتواء أزماتها.
وفي هذا الاطار لم يعد لبنان يُعامل كحالة مستقلة، بل كحلقة في صراع أوسع يشمل فلسطين، سوريا، إيران، اليمن والعراق…. وتُستخدم ساحته أداة ضغط ضمن معادلة كبرى تتجاوز قدرته الذاتية على التحكم بمصيره. وعليه لا يعود السؤال الأساسي: كيف يتجنّب لبنان الانفجار؟ بل هل يُدفع إلى الخضوع لتفاديه، أم يُدفع إلى الانفجار لفرضه؟ وبذلك تتجدد مشروعية السؤال الذي يواجه اللبنانيين أين تكمن إمكانية الإنقاذ؟ وكيف؟
العمليات العدائية وحافة الانفجار
وعليه، لا يمكن التعامل مع ما يجري في الجنوب اللبناني كحدث معزول أو نزاع حدودي محدود. لأن لبنان لم يعد طرفاً مستقلاً، بل حلقة ضعيفة في سلسلة كبرى متشابكة على نحو يراد منه أن يدفع حصته من أكلافها دفعة واحدة، سياسياً وأمنياً واقتصادياً. والسبب هشاشة بنيته وتداخل أزماته، مع الحرب المفتوحة على غزة، والتصعيد المتدرّج في الضفة الغربية. واتصالها بمسار إعادة ترتيب الأوضاع الداخلية والأدوار الاقليمية والدولية في سوريا واليمن والعراق. وارتباطها ايضاً بالصراع الأميركي ـ الإيراني الذي يسير حثيثاً نحو لحظات حاسمة.
فمنذ الإعلان عن اتفاق وقف العمليات العدائية بنتيجة حرب الاسناد. وبالتوازي مع رفضها الانسحاب من المواقع المحتلة، تواصل إسرائيل انتهاكاتها اليومية وفق قواعد اشتباك محسوبة: سيطرة جوية وأمنية، خروقات برية، عمليات مطاردة واغتيالات، استهدافات موضعية، توسيع تدريجي لنطاق الغارات وتدمير المنازل والممتلكات، والهدف فرض وقائع ميدانية جديدة، غايتها تجنّب الحرب الشاملة.. ولو إلى حين.
وفي السياق، يتواصل السجال حول وظيفة الجيش اللبناني ودوره في منطقة انتشاره جنوب الليطاني: هل هو قوة لتوثيق الخروقات الاسرائيلية فحسب؟ أم جهاز لحماية المواطنين والدفاع عنهم؟ أم أنه أداة لضمان أمن إسرائيل وفق الشروط السياسية والعسكرية التي تحاول فرضها عبر لجنة مراقبة اتفاق وقف العمليات العدائية وتنفيذ القرار 1701.
من البديهي أن تكون هذه منطقة جنوبي الليطاني حتى الحدود الدولية، خاضعة بالكامل لسيادة الدولة اللبنانية، وأن يكون الجيش مسؤولًا عن الدفاع عنها وحماية مواطنيها. غير أن رفض إسرائيل الانسحاب، والإبقاء على احتلالها لمواقع داخل الأراضي اللبنانية، وضع الجيش امام تحدي إنجاز مهمة سيادية مستحيلة في ظل الاحتلال والاعتداءات المتواصلة بتغطية اميركية ودولية.
يؤكد ذلك الاتهامات المتكررة له بالتواطؤ مع حزب الله. والهدف نزع الشرعية عن أي إنجاز يحققه الجيش، لإبقاء الذريعة الاسرائيلية المتمثلة بسلاح حزب الله قائمة لمواصلة العدوان وفرض الشروط. هذا ما أكدته العمليات والغارات التي نفذها العدو غداة تقرير الجيش، عطفاً على بيان رئيس حكومته نتنياهو عندما وصف “ما تحقق بالجيّد لكنه غير كافٍ”.
معضلة السلاح و قرار الدولة
في المقابل، يواصل حزب الله رفضه المسبق لأي بحث في تسليم سلاحه، ويحذّر الحكومة من إعلان الانتقال إلى المرحلة الثانية، عدا كيل الاتهامات لها. وكما يُقرأ موقف الحزب كخيار داخلي أساسه البحث عن ضمانات لوجوده ودوره وموقعه في السلطة، يُقرأ أيضاً كجزء من معادلة إقليمية أوسع، يربط عبرها مصير سلاحه بمستقبل العلاقة الأميركية ـ الإيرانية، وبمآلات الصراع مع اسرائيل التي ترفض الاعتراف بقدرة الجيش اللبناني على إنجاز مهام المرحلة الاولى جنوبي الليطاني.
وبذلك يتعمق مأزق البلد، لأن عدم موافقة اسرائيل على التقرير، يغطي رفضها الانسحاب، ويُبقي الملف مفتوحًا عبر التصعيد العسكري، والتهديد بتوسيع المنطقة العازلة، لفرض شروطها السياسية والأمنية بالقوة أو عبر مفاوضات غير متكافئة، تديرها أميركا وتتبنى أهدافها.
وهكذا يتجدد بقاء لبنان أمام معادلة شبه مستحيلة: دولة عاجزة عن بسط سيادتها الكاملة، وجيش ينجز ما هو ممكن في ظل الاحتلال رغم نقص الإمكانات، وحزب مسلح يربط قراره ودوره بمصير مرجعيته الاقليمية، وعدو يستثمر في انسداد الافق لفرض وقائع جديدة.
قرار الحرب وجغرافيا الاقتصاد
لم تعد احتمالات الحرب الإسرائيلية تُقاس بلغة الرسائل الدبلوماسية أو بزيارات الموفدين أو اجتماعات لجنة الاشراف. فقرار الحرب من عدمها مرتبط بحسابات رئيس حكومة العدو، الذي لا يخفي أهدافه، سواء تعلق الامر بتصفية القضية الفلسطينية، أو بإعادة رسم خرائط بلدان المنطقة. وهو يرى في إنهاء دور حزب الله في لبنان، بعد حماس في غزة، محطة أساسية في المواجهة مع إيران. ولذلك يتعمّد جيشه توجية ضربات واسعة ومركّزة تستهدف القدرات النوعية للحزب، لتفادي أو تاجيل الحرب الشاملة التي يهدد بها.
وفي هذا السياق تقع استراتيجية الضغوط المتصاعدة بالشراكة مع الادارة الاميركية، التي تستهدف دفع لبنان للقبول بالشروط والطلبات الاسرائيلية، وفي امتداد ذلك كان الإعلان الإسرائيلي عن الضوء الأخضر الأميركي لأي هجوم في لبنان، والتهديدات العلنية عبر الرسائل المباشرة بنزع سلاح حزب الله بالقوة.
وخلافاً لسرديات إعادة الاعمار المتداولة، فإن منع عودة أبناء الجنوب إلى قراهم لا يرتبط فقط بسلاح حزب الله، بل بمستقبل المنطقة الجيوسياسي والاقتصادي. بما فيه ملف الغاز في شرق المتوسط، ولبنان جزء منها. وهنا يقع الحديث الأميركي المتكرر عن مناطق صناعية في جنوب لبنان بإدارة مشتركة، كما في سوريا، في موازاة الحديث عن الاستثمارات الكبرى في “ريفييرا” غزة.
ما يشكل أجزاء من رؤية متكاملة لإعادة توظيف جغرافيا المنطقة في ظل الحروب والنزاعات المستدامة، من خلال ربطها بشبكات الطاقة والاستثمار الخاضعة للهيمنة الأميركية ـ الإسرائيلية. وعليه ليس تفصيلا الضغوط المتوالية لترسيم الحدود البحرية، ولتنظيم اتفاقات لإنتاج وتصدير الطاقة، والوعود بتنظيم الاستثمارات الكبرى في الثروة الغازية قبالة السواحل اللبنانية كأداة ضغط سياسية.
سوريا ولبنان وسياسة الانكار
صحيح أن زيارة الرئيس السوري إلى واشنطن دشّنت مرحلة جديدة في العلاقات السورية ـ الأميركية، لكنها أعادت طرح السؤال حول الدور السوري المقبل في لبنان، بعد انخراط النظام السوري الجديد في التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، وهل سيشارك في استهداف حزب الله والفصائل المتحالفة مع إيران.
وفي السياق تتجدد الاسئلة حول تعثر معالجة الملفات المتداخلة بين البلدين، مع تزايد الحديث عن تواجد ونشاط شبكات نظام الاسد في لبنان، ومخيمات النازحين المؤيدين، وتزايد تبادل الاتهامات والتحريض الطائفي بين المؤيدين للنظام الجديد وخصومه من اللبنانيين.
ومع تصاعد المخاطر الزاحفة على لبنان، يصرّ بعض المسؤولين على خطاب التطمين، ربما لشراء الوقت ومنع الهلع، لكن الخطورة تكمن في الاستهانة بالسياسات والضغوط المتواصلة التي تحاصر لبنان.
علماُ أن ما يمنع الانفجار الكبير حتى الآن عاملان لا ثالث لهما. الاول يتمثل بقدرة حزب الله رغم الانقسام الاهلي الذي يحاصره على احتواء مضاعفات مسلسل الاغتيالات المفتوح الذي يستهدف عناصره يومياً من قبل جيش العدو. والثاني، يتعلق بعدم انقطاع قنوات الاتصال غير المعلنة بين اشنطن وطهران لتفادي الحرب، التي ساهمت الانتفاضة القائمة الآن في تأجيل موعدها. علماً أن التوازن الهشّ القائم الآن مفتوح على الانهيار في أي لحظة.
بين الممكن وحدوده
لقد شكّل تقرير الجيش محطة مفصلية، لأنه وثّق ما أُنجزه فعليًا جنوب الليطاني، وحدّد بوضوح ما لم يُنجز بسبب الاحتلال والاعتداءات ونقص الإمكانات. وأعاد التأكيد بأن مهمات حصر السلاح مسؤولية وطنية، وتنفيذها يتطلب توافر شروط سياسية وأمنية ولوجستية واضحة، بعيداً عن الشعارات واهداف من يطلقها. والأهم في التقرير أنه وضع قرار وشروط تنفيذ المرحلة الثانية في عهدة الحكومة، على نحو جعل الرؤساء الثلاثة يتبارون في الاشادة بدور الجيش وتقريره، لأنهم وجدوا فيه مخرجاً مؤقتاً لمواجهة الضغوط الداخلية والخارجية.
وعلى أهمية تقرير الجيش شكلاً ومضموناً، لكن الخطورة تكمن في الاستهانة بوجود قوى داخل الحكومة، لا ترى في الاحتلال الإسرائيلي خطرًا ولا مسًّا مباشرًا بالسيادة. والخطر ليس مصدره عمق الانقسام الداخلي وحسب، بل في إضعاف موقف لبنان التفاوضي، وتمكين اسرائيل من استغلال خلافات اللبنانيين الداخلية.
بين الخضوع والانفجار
من المؤكد أن لبنان اليوم وفق كل المؤشرات والمعطيات القائمة، ليس أمام خيار التحييد كما يتوهم البعض، استناداً إلى ما يُسوّق عبر نصائح موفدي الخارج. لكنه يقف في مواجهة تحديات معادلة صعبة وخطيرة في آن، لأنها تضعه امام مفترق تاريخي إما الخضوع الكامل لشروط السيطرة الأميركية والهيمنة الإسرائيلية، بما يعنيه ذلك من تطبيع وإعادة هندسة للسيادة والاقتصاد والسياسة والدور، وإما الانزلاق إلى انفجار كبير إذا فُرضت هذه الشروط بالقوة.
وبين هذين الخيارين، لا يزال أهل الحكم وقوى السلطة في حالة عجز عن إنتاج مسار انقاذ وطني وديمقراطي، يرتبط بإعادة بناء الدولة، على نحو يعيد تعريف السيادة خارج منطق السلاح الاهلي، وخارج منطق الاستسلام. ولا يختلف الأمر بالنسبة لسائر قوى الاعتراض التي تنتظر الحلول من الخارج، أو التي تدمن طرح الشعارات والبرامج. وما لم يُكسر هذا العجز البنيوي، سيبقى لبنان ساحةً لا دولة، وملفًا مفتوحًا ينتظر ان يقرر الخارج مستقبله.