الدولة التي تقتل شعبها… جرائم موصوفة مكتملة الأركان في إيران

مسؤولية المجتمع الدولي عن وقف القتل المنهجي

خاص بوابة بيروت

قراءة قانونية في نمط القتل الممنهج الذي يمارسه نظام خامنئي بحق السكان المدنيين، وتوثيق لانتهاكات جسيمة يرتكبها النظام الإيراني بحق المحتجّين والمعارضين، ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية وفق أحكام القانون الدولي، مع تحليل لمسؤولية المجتمع الدولي القانونية والأخلاقية في منع تكرار سيناريو الإفلات من العقاب، الذي حوّل سوريا في عهد نظام الديكتاتور بشار الأسد إلى ساحة قتل مفتوحة بلا عدالة أو مساءلة.

حين يصبح القتل سياسة لا انحرافًا

تكشف الصور والشهادات الميدانية المتداولة من داخل إيران، رغم التعتيم الإعلامي وقطع الإنترنت، عن واقعٍ يتجاوز مفهوم “القمع الأمني” إلى منهج دولة قائم على تصفية المحتجّين جسديًا، وملاحقة الجرحى، وتجريم الحياة ذاتها.

لم يعد القتل محصورًا في الشارع، بل امتدّ إلى غرف الطوارئ وأسرّة المستشفيات، حيث يُلاحق المصابون بدل إسعافهم، في مشهد يعكس انهيارًا كاملًا لأي التزام قانوني أو إنساني.

ما نشهده اليوم ليس أخطاء فردية أو تجاوزات ميدانية، بل نمطًا ممنهجًا ومتكرّرًا يفرض مقاربة قانونية دولية صارمة، لا بيانات إدانة موسمية.

أولًا: من الانتهاك الفردي إلى الهجوم الواسع أو المنهجي

في القانون الدولي، لا تُقاس الجريمة ببشاعتها الأخلاقية فقط، بل بطبيعتها ونطاقها واستمراريتها.

وحين تتكرر الأفعال نفسها في مدن مختلفة، وبالأسلوب ذاته، وبأوامر غير مُعلنة لكن واضحة النتائج، فإننا نكون أمام:

  • قتل خارج نطاق القانون
  • استخدام القوة المميتة ضد مدنيين عُزّل
  • اعتقالات تعسفية واسعة
  • مطاردة الجرحى وحرمانهم من العلاج
  • تعتيم متعمّد لمنع التوثيق والمساءلة

وهذه العناصر مجتمعة تُشكّل، قانونًا، هجومًا واسعًا أو منهجيًا موجّهًا ضد السكان المدنيين.

ثانيًا: الانتهاكات المحظورة صراحة في القانون الدولي

مهما حاولت السلطة تبرير أفعالها بشعار “حفظ النظام”، فإن القانون الدولي وضع خطوطًا حمراء لا يجوز تجاوزها تحت أي ظرف:

1. الحق في الحياة

الحق في الحياة حقّ أصيل وغير قابل للتصرف.

أي قتل تعسفي، خاصة في سياق التظاهر أو الاحتجاز، يُعدّ جريمة دولية، ولا يمكن تبريره بالضرورات الأمنية.

2. حظر التعذيب والمعاملة القاسية

التعذيب محظور حظرًا مطلقًا، دون استثناءات أو ذرائع.

الاعتقال التعسفي في بيئة مغلقة إعلاميًا، مع منع التواصل والرعاية الطبية، يفتح الباب أمام التعذيب والإخفاء القسري، وهما من أخطر الجرائم الدولية.

3. حماية الجرحى والمرافق الطبية

تحويل المستشفيات إلى امتداد أمني، وملاحقة المصابين بدل علاجهم، يُعدّ جريمة مضاعفة:

جريمة ضد الشخص، وجريمة ضد مبدأ إنساني محمي دوليًا.

ثالثًا: متى تصبح هذه الجرائم «جرائم ضد الإنسانية»؟

وفق نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، تُعدّ جرائم مثل:

  • القتل
  • السجن أو الحرمان الشديد من الحرية
  • التعذيب
  • الاضطهاد لأسباب سياسية

جرائم ضد الإنسانية إذا ارتُكبت كجزء من هجوم واسع أو منهجي ضد المدنيين، مع العلم بطبيعته.

وبالنظر إلى :

  • اتساع رقعة القتل
  • وحدة الأسلوب
  • دور أجهزة الدولة
  • التعتيم المتعمّد

فإن توصيف ما يجري في إيران كجرائم ضد الإنسانية ليس موقفًا سياسيًا، بل استنتاجًا قانونيًا قابلًا للمساءلة القضائية الدولية.

تنويه قانوني مهم:

مصطلح “الإبادة الجماعية” له تعريف قانوني دقيق يتطلب إثبات نية تدمير جماعة محددة بصفتها تلك.

أمّا الجرائم ضد الإنسانية فلا تحتاج هذا القصد الخاص، وهو ما يجعل توصيف الوضع الإيراني قانونيًا أقرب وأقوى من حيث قابلية الإثبات والملاحقة.

رابعًا: مسؤولية المجتمع الدولي… واجب لا خيار

التجربة السورية ليست بعيدة.

الصمت، التأجيل، الاكتفاء بالبيانات، كلّها صنعت نظامًا أفلت من العقاب وشرّعت القتل بوصفه أداة حكم.

وفق مبدأ مسؤولية الحماية “R2P”:

  • الدولة مسؤولة أولًا عن حماية شعبها
  • إذا فشلت أو تحوّلت إلى الجاني، تنتقل المسؤولية إلى المجتمع الدولي

وهذه المسؤولية ليست أخلاقية فقط، بل قانونية، وتشمل:

  • التحقيق
  • المنع
  • المحاسبة

التقاعس هنا ليس حيادًا، بل مشاركة غير مباشرة في النتيجة.

خامسًا: ما الذي يجب فعله الآن؟

إذا أراد العالم ألا يرى إيران تسلك الطريق نفسه الذي سلكته سوريا في عهد “نظام الأسد”، فإن عليه التحرك فورًا عبر:

1. آليات تحقيق دولية مستقلة وحفظ الأدلة

2. مساءلة المسؤولين عن إصدار وتنفيذ أوامر القتل

3. عقوبات موجّهة تطال الأفراد لا المجتمع

4. تفعيل الولاية القضائية العالمية

5. حماية الصحفيين والناشطين ومنع التعتيم الرقمي

العدالة المؤجَّلة لا تُطفئ الدم… بل تُراكمه

ما يجري في إيران اليوم لا يمكن اختزاله في كونه شأنًا داخليًا أو أزمة عابرة، بل يمثّل اختبارًا مصيريًا لصدقية النظام الدولي برمّته، ولمعنى القانون حين يواجه سلطةً قرّرت أن تحكم بالرصاص بدل الشرعية.

فإمّا أن يُثبت المجتمع الدولي أن القانون الدولي ما زال أداة حماية فعلية للشعوب، وأن مبادئ حقوق الإنسان ليست شعارات انتقائية تُستدعى عند الحاجة السياسية،

وإمّا أن يواصل صمته، مع ترفًا “ولو ضمنيًا” بأن حياة المدنيين أقلّ وزنًا من توازنات المصالح، وأن الدم يمكن التفاوض عليه.

لقد علّمتنا سوريا درسًا قاسيًا… 

لم يكن الإفلات من العقاب هناك حادثًا طارئًا، بل سياسة صمتٍ دولي مُنظَّم، حوّلت الجرائم إلى أمرٍ اعتيادي، والمقابر إلى وقائع مؤجَّلة على موائد الدبلوماسية.

وسوريا “عهد نظام الأسد”، في هذا السياق، لم تكن استثناءً في تاريخ الانتهاكات، بل نتيجة مباشرة لغياب المساءلة.

أما إيران اليوم، فإن تُركت بلا تحقيق، وبلا محاسبة، وبلا تحرّك قانوني جاد، فلن تكون سوى الفصل التالي في كتاب الإفلات من العقاب, كتابٍ يُكتب بالدم، وتُوقّعه أنظمة القمع، ويُصادِق عليه الصمت الدولي.

والتاريخ، كما العدالة، لا ينسى.

 

اخترنا لك