رصد بوابة بيروت
تحت وطأة تصاعد السجال السياسي حول ملف حصر السلاح، انفجرت موجة واسعة من ردود الفعل الوطنية المستنكرة للتصعيد غير المسبوق الذي اعتمده أمين عام “حزب الله” الشيخ نعيم قاسم، في تطاول مباشر طال رئيسَي الجمهورية والحكومة، وامتد ليشمل وزير الخارجية، ما فتح الباب أمام مرحلة توتر جديدة بين الدولة و”الحزب”.
غرق “حزب الله” منذ السبت الماضي في لجة ردود الفعل الوطنية المستنكرة لتطاول أمينه العام الشيخ نعيم قاسم على رئيسَي الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، والنيل منهما على خلفية ملف حصر السلاح، وذهاب قاسم بعيدًا في التهجم على وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجي للأسباب نفسها.
وأفادت “نداء الوطن” أن كلام الشيخ قاسم لن يمر مرور الكرام في بعبدا، وأن هذا السقف غير الاعتيادي من التصعيد لن يثني الرئيس عون عن الاستمرار في الخط الذي رسمه في إطلالته الأخيرة، حيث أكد انتفاء دور السلاح خارج إطار الدولة. وتشدد المصادر على أن لا تراجع من بعبدا مهما ارتفعت حدة التهديد، إذ يبقى المطلوب عودة الدولة وبسط سلطتها الكاملة وجمع السلاح.
وفي ظل المواقف التصعيدية، عمل عدد من الوسطاء خلال الساعات الماضية على خط بعبدا – حارة حريك، في محاولة لإعادة إطلاق حوار غير مباشر بين الرئيس عون و”حزب الله”، بهدف تخفيف حدة التوتر ومنع انزلاق الأمور نحو مزيد من التصعيد.
وفي سياق متصل، كشفت أوساط سياسية بارزة لـ “نداء الوطن” أن رفع قاسم سقوف التصعيد في كلمته الأخيرة جاء بطلب إيراني. وأشارت إلى أن إيران لا تريد أن تخسر أبرز أوراقها المتبقية من دون أي مقابل، ولو حتى لحظة انطلاق المفاوضات مع الولايات المتحدة الأميركية، والتي يُتوقع أن تبدأ خلال أسابيع قليلة.
وطرحت هذه الأوساط تساؤلًا محوريًا: هل سيترك “العدو الإسرائيلي” “حزب الله” ليبقى ورقة تفاوضية بيد إيران، أم سيسارع رئيس وزراء العدو الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى نزع هذه الورقة وحرقها نهائيًا عبر حرب تؤدي إلى إسقاط آخر أوراق طهران؟
في موازاة ذلك، توقفت الردود المستنكرة عند ما تفوه به أمين عام “الحزب” من تخوين لرئيس الجمهورية ورئيس الحكومة في معرض تمسكه بالسلاح. وتلاقت المواقف عند طرح سؤال جوهري: ألم يقرأ هذا الفريق حجم التحولات الإقليمية، وفي مقدمها أن إيران باتت أمام خيارين لا ثالث لهما، إما التخلي عن ثلاثية النووي والباليستي والأذرع، أو مواجهة سقوط النظام؟
كما برزت تساؤلات إضافية حول ما إذا كان “الحزب” قد أدرك أن “حماس” انتقلت إلى مرحلة مختلفة، وأن النظام البعثي الأسدي لم يعد قائمًا، وأن خطوط التواصل بين طهران وبيروت انقطعت، وأن العراق حيّد نفسه منذ اللحظة الأولى، وأن الحوثيين خرجوا نهائيًا من المشهد، وأن “حزب الله” هُزم عسكريًا.
الأوساط نفسها أجابت عن سبب هذا التصعيد بثلاثة عوامل أساسية. العامل الأول يتمثل بربط “حزب الله” مصيره بإيران، ورفضه التخلي عن سلاحه قبل أن تحسم طهران خياراتها، كي يبقى ورقة بيدها بعدما خسرت ورقة الأسد و”حماس”، ومن دون أن يتحول إلى الورقة الثالثة الخاسرة من دون مقابل.
العامل الثاني يرتبط برهان “حزب الله” على عامل الوقت، كفريق مسلح يعتقد أن التطورات قد تتبدل بما يسمح له بالحفاظ على سلاح يشكل جوهر وجوده وأداة تنفيذ لأيديولوجيته.
العامل الثالث يعود إلى أن “حزب الله” لم يجد من يفاوضه داخليًا، وخصوصًا أن رئيسَي الجمهورية والحكومة لم يبادراه بسؤال من نوع ماذا تريد مقابل هذا السلاح. غير أن رئيس الجمهورية كان حاسمًا عندما أعلن أن وظيفة هذا السلاح انتهت، وأن المطلوب تنفيذ ما لم يُنفذ من اتفاق الطائف. في المقابل، يلمح “الحزب” إلى مطلب غير معلن عنوانه اعرضوا علينا شيئًا، وهو ما يفسر رفع السقوف إلى هذا الحد.
لكن ما يغفله “حزب الله”، وفق الأوساط نفسها، أن استمرار رفع السقوف ستكون كلفته باهظة جدًا، إذ سيواصل “جيش العدو الإسرائيلي” استهدافاته من دون توقف إلى حين نزع سلاح “الحزب”، فيما لا يبدي أي طرف لبناني استعدادًا لمنح “حزب الله” صلاحيات أو مكاسب مقابل سلاح دمّر لبنان على مدى خمسة وثلاثين عامًا.