خاص بوابة بيروت

كاتب وناشط سياسي
لم تكن بيروت يومًا مدينةً عادية. هي الذاكرة المفتوحة على الحروب، والمدينة التي دفعت من لحمها الحيّ ثمن صراعات الآخرين، ثم أُجبرت طويلًا على التعايش مع نتائجها. فمنذ اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، تحوّلت شوارعها، ولا سيما شارع الحمراء ومناطق أخرى من قلب العاصمة، إلى مسارح مفتوحة للنفوذ المسلّح، والهيمنة الحزبية، والوصاية القادمة من خارج الحدود، تحت عناوين شتى، أبرزها ما عُرف يومها بـ«الأحزاب العقائدية» المرتبطة بالنظام السوري وأجهزته.
هذه المناطق تحديدًا شهدت أفظع التجاوزات: حواجز، خلوات أمنية، سلاح منفلت، أزقة مقفلة، وذاكرة خوف لا تزال محفورة في وجدان أهل بيروت. وبعد انتهاء الحرب، لم تنتهِ الهيمنة، بل تغيّر شكلها. فالدولة التي كان يُفترض أن تُبنى، تُركت ضعيفة، فيما تُرك الشارع رهينة قوى الأمر الواقع، تحكمه شريعة الزعران لا القانون.
ومع سقوط نظام بشار الأسد، وانكشاف فلوله السياسية والتنظيمية في لبنان، بدأ المشهد يتبدّل. الأحزاب التي كانت تستقوي بالوصاية السورية، من القومي السوري وغيره، فقدت الغطاء الذي طالما وفّر لها سطوة غير مشروعة على الأرض. واليوم، يظهر هذا التغيّر بوضوح في شارع الحمراء ومحيطه، وفي أحياء أخرى كانت تُعامل وكأنها ثكنات عسكرية لا أحياء مدنية.
لطالما استفزّ أهالي بيروت هذا «التجانس القسري» مع مشهد يعيدهم قسرًا إلى ذكريات الحرب: سلاح بحجة الأمن، إقفال طرقات «لدواعٍ أمنية»، فرض خوات، وتعدٍّ سافر على الدولة باسم المقاومة أو الحزب أو الزعيم. كل ذلك كان يتم على حساب إعادة بناء الوطن، وعلى حساب المواطن الذي صبر، ودفع، وانتظر.
اليوم، وللمرة الأولى منذ زمن طويل، تتجرأ الدولة. البلدية، بدعم واضح من المحافظ، ووزير الداخلية، وقوى الأمن الداخلي، وقيادة الجيش، تتخذ القرار الأصعب والأهم: إزالة المخالفات، فتح الطرقات، كسر منطق الدويلات، وإعادة الاعتبار لهيبة الدولة. كل من تعدّى على القانون، أيًا كان اسمه أو انتماؤه، بات معنيًا بالمحاسبة.
بيروت اليوم تستعيد أنفاسها. لا ميليشيات خوات، لا أزقة مقفلة، ولا شوارع محجوزة لحماية هذا أو ذاك. هذه الطرقات ليست ثكنات، بل شرايين حياة، تعيقها الفوضى منذ عقود، ولم يعد مقبولًا أن تبقى رهينة السلاح غير الشرعي أو النفوذ الحزبي.
المواطن الذي دفع من عمره وأمنه ومستقبله، لم يعد يقبل أن يُعامل كمن يتنازل عن حقه «مراعاةً» لهذا الحزب أو ذاك. لم يعد الصمت فضيلة، ولا الخوف خيارًا. فالدولة، إن لم تُستعاد الآن، فلن تُستعاد أبدًا.
نعم، سنُبشّر خيرًا ببلدٍ ظننا طويلًا أنه لن يعود.
سننتظر البوادر الجيدة، سندعمها، ونحميها، وسنقف في وجه كل من يتجاوز القانون باسم حزب فلان أو زعيم فلان. لم يعد مقبولًا إقفال شارع لحماية شخص، مهما كانت الأثمان، لأن ثمن الدولة أغلى، وثمن بيروت لا يُقاس.
بيروت اليوم تقول كلمتها:
مدينة للحياة، لا ساحة للهيمنة.
عاصمة للدولة، لا رهينة للأحزاب.