لبنان يبحث عن هوية في ظل التطورات الإقليمية

خاص بوابة بيروت

في خضمّ التحوّلات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، من اليمن إلى سوريا، يقف لبنان اليوم عند مفترق طرق حاسم، باحثًا عن هويته الضائعة بين أزمات الداخل وضغوط الخارج. هذه التطورات لم تعد أحداثًا عابرة في نشرات الأخبار، بل باتت ترسم ملامح مرحلة إقليمية جديدة تفرض نفسها على كل دول المنطقة، ولبنان ليس بمنأى عنها.

ومع الشعار الذي أطلقه رئيس الجمهورية في خطاب القسم، وأعاد التأكيد عليه في مقابلته مع الإعلامي وليد عبود، يلوح في الأفق حديث عن مرحلة جديدة قد يكون لبنان على أعتابها. مرحلة تحمل في طياتها وعودًا بالتغيير، لكنها في الوقت نفسه تطرح أسئلة مصيرية: هل نحن فعلاً قادرون على مواكبة هذه التحولات؟ أم أننا سنبقى أسرى منظومة سياسية أثبتت فشلها مرارًا؟

إن أي مرحلة جديدة لا يمكن أن تُبنى أو تنجح في ظل طبقة سياسية فاسدة، اعتادت على تقاسم النفوذ بدل بناء الدولة، وفي ظل دستور بات عاجزًا عن التطبيق لأنه لا يراعي مصالح المواطنين ولا يعكس تطلعاتهم. دستور يُستخدم عند الحاجة ويُعطَّل عند تعارضه مع مصالح الزعماء، لا يمكن أن يكون أساسًا لدولة عادلة أو مستقرة.

اليوم، تقع على عاتق رئيس الجمهورية مسؤولية تاريخية، لا تقتصر على إدارة مرحلة، بل تتعداها إلى إعادة صياغة العقد الوطني نفسه. إعادة نظر جدية في الدستور، وفي منظومة الأحزاب السياسية، من خلال إشراك أجيال جديدة، جيلَي X وZ، الذين لم يعودوا يقبلون العيش في ظل الصراعات الطائفية والعناوين البالية.

هذا الجيل، بعقليته المتطورة ورؤيته المختلفة، قادر على إحداث تغيير حقيقي في الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والفكري للوطن. هو جيل عاش حروبًا لا تشبهه، وورث صراعات طائفية لا يرى فيها أي قيمة أو معنى. جيل يريد أن يعيش بسلام، وأن يجد فرصة عمل كريمة في وطنه، بعد أن ضاقت به لبنان فاضطر للبحث عن مستقبله في بقاع الأرض.

هذا الجيل هو المستقبل، ولا يحق لنا أن نحكم عليه بأن يعيش منطق الحروب الأهلية، وثقافة الغالب والمغلوب، والظالم والمظلوم. فهذه الثنائيات لم تنتج إلا الخراب، ولم تبنِ دولة، بل عمّقت الانقسام وأهدرت الطاقات.

اليوم، نحن بحاجة إلى خلق أحزاب جديدة، غير طائفية، أحزاب تبحث بجرأة في الملفات العالقة: الفساد المستشري، الانهيار الاقتصادي، غياب العدالة في فرص العمل، وقبل كل شيء، غياب الرؤية. أحزاب تمتلك فكرًا واضحًا وتصميمًا حقيقيًا على إعادة بناء دولة حديثة، دولة يكون فيها القانون فوق الجميع، ويقودها شباب يؤمنون بالمستقبل لا بالماضي.

إن أي تحديث في المجتمعات لا يمكن أن ينجح في ظل فكر متراجع، أو في ظل أجيال لا تدرك أن العامل الاقتصادي اليوم هو الأساس، وأنه أهم من أي منطق طائفي أو سلاح. فالدولة هي الأساس، وكرامة المواطن تُقاس بنمو الاقتصاد، لا بنمو عدد الأحزاب أو حجم الشعارات.

الأحزاب، في جوهرها، يجب أن تكون أحزاب فكر، تُعنى ببناء المجتمعات وتطويرها، لا أدوات لحماية مصالح المناطق والطوائف. فهذه الأحزاب، مهما طال عمرها، لن تصمد أمام أجيال تعيش على مفهوم الواقع الافتراضي “Virtual Reality”، وترى العالم كقرية صغيرة قادرة على التجانس والتعاون من أجل بيئة نظيفة وتنمية مستدامة.

جيل اليوم لا يسأل عن طائفة الزعيم، بل عن خطته لمواجهة التغير المناخي، وعن رؤيته للنمو الاقتصادي، وعن موقع لبنان في عالم الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة. جيل همه كيف يكون جزءًا من العالم، لا كيف يبقى رهينة صراعاته الداخلية.

فهل من يسمع؟ وهل من يجرؤ على اتخاذ القرار قبل أن يسبقنا المستقبل… مرة أخرى؟

اخترنا لك