جوزاف عون في مواجهة نعيم قاسم : صراع الجمهورية والميليشيا

هل ينتصر مشروع الدولة في لبنان؟

خاص بوابة بيروت

يقف لبنان اليوم عند أخطر مفترق في تاريخه الحديث، حيث يتواجه مشروع الدولة مع منطق السلاح، وتتصادم فكرة الجمهورية مع واقع الميليشيا، في لحظة لم يعد فيها الانهيار احتمالًا بل خطرًا داهمًا يهدد الكيان والهوية والمستقبل، وسط صراع مكشوف على القرار والسيادة والاستقرار.

خطابان يختصران معركة المرحلة المقبلة، خطاب الجمهورية، وخطاب الميليشيا. بين لغة الدولة التي يبنيها رئيس الجمهورية جوزاف عون بهدوء ومسؤولية، ولغة التعبئة والتخويف التي يصرّ نعيم قاسم على إعادة تدويرها، تتحدد ملامح لبنان الذي نريده ولبنان الذي يُراد لنا أن نبقى أسرى له.

في خطاب رئيس الجمهورية، يبرز منطق الدولة الواثقة بنفسها، دولة لا تنكر أزماتها ولا تهرب من تحدياتها، لكنها تضعها ضمن مسار إصلاحي واضح. حديث جوزاف عون لا يقوم على استدعاء الأعداء الوهميين ولا على شيطنة الداخل، بل على استعادة الثقة، داخليًا وخارجيًا، عبر إنجازات ملموسة. يشدد على احترام الاستحقاقات الدستورية، وفي طليعتها الانتخابات النيابية، باعتبارها ركيزة الشرعية، لا تهديدًا للاستقرار. يتحدث عن الإصلاح المالي، وردّ الودائع، ومكننة الإدارة، وملء الفراغ في مؤسسات الدولة، ويضع الاقتصاد والسياحة والثقة الدولية في صلب أولوياته. هذا خطاب رئيس يرى المستقبل كمشروع عمل، لا كساحة صراع.

في المقابل، يأتي خطاب نعيم قاسم مثقلاً بلغة المؤامرة الدائمة، حيث يتحول لبنان إلى تفصيل صغير في سردية عالمية عن أميركا وترامب ونتنياهو وفنزويلا وإيران. خطاب لا يعترف بالدولة إلا كغطاء، ولا يرى السيادة إلا من خلال فوهة السلاح. بدل أن يناقش كيف تُبنى الدولة، يعيد إنتاج معادلة التخويف، بلا سلاحنا يُقتل اللبنانيون، وبلا مقاومتنا ينهار الوطن. هكذا يُختصر لبنان في جماعة، والجيش في دور ثانوي، والدولة في وظيفة إدارية بلا قرار.

الفرق الجوهري بين الخطابين ليس في الأسلوب فقط، بل في الفلسفة السياسية. رئيس الجمهورية يتحدث بلسان الدستور والمؤسسات، ويخاطب اللبنانيين كمواطنين متساوين، شركاء في مشروع إنقاذ. نعيم قاسم يتحدث بلسان المحور، ويخاطب جمهورًا معبّأ بالخوف، ويصنف اللبنانيين بين مقاومة وعملاء، بين معنا وضدنا. الأول يسعى إلى تهدئة الداخل وربط لبنان بالعالم، الثاني يغذّي الانقسام ويضع البلد في مواجهة دائمة مع محيطه ومع نفسه.

إيجابية خطاب رئيس الجمهورية تنعكس مباشرة على صورة لبنان في الخارج، وعلى عودة الثقة تدريجيًا بين الدولة والمجتمع الدولي، وبين الحكومة والمواطنين. إنها لغة تطمئن المستثمر، وتشجع الاغتراب، وتفتح باب الدعم، لأنها تقول بوضوح إن هناك دولة تريد أن تحكم، لا ميليشيا تريد أن تفرض. في المقابل، سلبية خطاب نعيم قاسم لا تنتج إلا مزيدًا من العزلة، لأنها تعلن صراحة أن قرار الحرب والسلم خارج المؤسسات، وأن السلاح سابق على الدولة ولاحق لها، وأن أي إصلاح يبقى مشروطًا بميزان القوة لا بالقانون.

الأخطر في خطاب الميليشيا أنه يصادر مفهوم السيادة نفسه. فبينما يضع رئيس الجمهورية السيادة في قلب الإصلاح، كمسار قانوني ومؤسساتي، يحولها نعيم قاسم إلى ذريعة لتكريس السلاح خارج الدولة، ويعتبر أي نقاش بحصريته مطلبًا “إسرائيليًا – أميركيًا”، متجاهلًا أن هذا المطلب لبناني أولًا، ودستوريًا قبل أن يكون سياسيًا.

ما بين الخطابين، يقف اللبناني أمام خيار واضح لا يحتمل الرمادية. إما جمهورية تُدار بالقانون، وتُصلح أخطاءها، وتخوض معاركها عبر المؤسسات، وإما كيان معلق على فوهة صراع إقليمي، يُدار بالتهديد والتحريض والتخويف. إما خطاب يبني، أو خطاب يستنزف. إما دولة، أو ميليشيا.

لبنان لا يمكنه أن يعيش إلى الأبد بين هذين الخطابين. لحظة الحسم تقترب، ومعها سيتأكد أن المستقبل لا تصنعه خطابات التعبئة، بل مشاريع الدولة. وما يقوله رئيس الجمهورية اليوم هو لغة الغد، أما ما يردده نعيم قاسم، فلم يعد سوى صدى مرحلة ترفض أن تعترف بأنها انتهت.

اخترنا لك