بقلم رفيق خوري
مشكلة”المقاومة الإسلامية”في لبنان والعالم العربي بقيادة إيران أنها ثلاثية الأبعاد المترابطة والمتكاملة. بعد عملاني، بعد بنيوي، وبعد وجودي مصيري. الأول هو أن مهام “محور المقاومة” أوسع من مقاولة إسرائيل حيث هناك احتلال وحيث لا احتلال، وأشمل من العمل لإخراج الوجود الأميركي من غرب آسيا. والثاني هو أن تركيبة الفصائل المذهبية المسلحة في هذه المقاومة متميزة عن الأكثرية السكانية في العالم العربي وصاحبة اهتمامات مختلفة عن اهتمامات الأكثرية ومناقضة لبعضها. والثالث أن المشروع الإقليمي الإيراني الذي من أجله كان تأسيس “المقاومة الإسلامية”على يد الحرس الثوري وتمويلها وتسليحها، تغيّرت الظروف والدنيا من حوله بعد التحولات الاستراتيجية الهائلة التي رافقت حرب غزة ولبنان وإيران وسقوط نظام الأسد في سوريا.
ذلك أن ما كان نوعًا من”هندسة”إيرانية لمستقبل العالم العربي في إطار ولاية الفقيه وشرق أوسط للملالي”اليد العليا”في حكمه أو التحكم به، يواجه”هندسة” أميركية معاكسة ضمن تحوّل استراتيجي أميركي وإسرائيلي لجهة الانتقال من الردع إلى الحسم ومن الاحتواء إلى الحرب الوقائية. وما كان دورًا للأطراف المسلحة في الدفاع عن الرأس في طهران، وللرأس في دعم الأطراف يبدو كأنه صار من الماضي. فلا الجمهورية الإسلامية في إيران تمكنت من دعم أذرعها تحت ضربات إسرائيل. ولا الأذرع ساهمت في حماية الرأس خلال حرب الـ 12 يومًا الإسرائيلية والأميركية.
ولا أحد يعرف إن كان الرئيس دونالد ترامب سيجد صفقة ترضيه مع أيران أو يقوم بالضربة التي أوقفها بناء على خمسة أمور. أولها ما قامت به السعودية ومصر وعُمان وقطر من مسعى لتلافي خطر الفوضى المحتملة في جمهورية الملالي والمنطقة. وثانيها حسابات المتخوفين داخل إدارته من تهديد إيران بضرب المصالح والقواعد العسكرية الأميركية في المنطقة ردًا على الضربة. وثالثها قراءات الخبراء في كتاب الصراع مع الصين وروسيا ومدى ما يمكن أن يلحقه البلدان من تبدل في العلاقات مع واشنطن. ورابعها موقف عدد من أصدقاء أميرکا الذي خلاصته ترداد المثل القائل: “إذا ضربت ملكًا اقتله”وإلّا قتلك، وبالتالي، لا حاجة إلى أي ضرية لا تقتله وتقويه في الداخل وفي المنطقة. وخامسها أن القوات الأميركية لم تكن جاهزة بعد لضربة كبيرة.
أما مشكلة”حزب الله”بالإضافة إلى كل المشاكل في”محور المقاومة”فإنها الهرب من القراءة في”الوقائع بحثًا عن الحقيقة” حسب الحكمة الصينية، والوقوع في إغراء القراءة في المرآة. وهي عمليًا دمج “الحزب”، وسلاحه بالبيئة الحاضنة والتصور أن سحب السلاح بناء على قرار مجلس الوزراء يشكل “خطرًا وجوديًا” على الطائفة كلها. وليس صحيحًا أن هناك خطرًا على هذه الطائفة أو تلك. أما الخطر على لبنان بكل طوائفه، فإنه الحفاظ على سلاح انتهى دوره، لكنه عقبة أمام المساعدات والاستثمارات وإعادة الإعمار، وذريعة يستخدمها العدو لشن حرب مدمرة أكثر من”حرب الإسناد”.
والمضحك المبكي أن هناك من يسأل إن كان “الحزب” سيشارك في الرد الإيراني على الضربة الأميركية المفترضة، مع أنه متوقف منذ خريف 2024 عن الرد على الاعتداءات الإسرائيلية اليومية التي تطاول بنيته العسكرية التحتية وتمارس الاغتيال لكوادره على طرق الجنوب. وليس أمرًا قليل الدلالات أن يسلّم “حزب الله” بسحب السلاح جنوب الليطاني، وهو ما يريح إسرائيل، ويرفض سحبه شمال الليطاني، وهو يريح لبنان واللبنانيين. و “العقل وُجد دائمًا عند الإنسان، ولكن ليس دائمًا بصورة عقلانية” كما قال ماركس.