بقلم بلال مهدي – خاص بوابة بيروت
@BilalMahdiii

رئيس التحرير
خطابٌ سياسيّ يطفح بالإنكار، وتُعاد فيه المسؤوليات تدويرًا بوقاحة لغوية، أطلّ به عضو المجلس السياسي في “حزب الله” محمود قماطي وهو يهاجم الدولة من موقع من صادر قرارها، ويتباكى على غيابها من موقع من عطّل قيامها.
مفارقة فاضحة تختصر عقودًا من قلب الحقائق، حيث يتحوّل منطق القوّة إلى اتهام، ومنطق السلاح إلى وعظ، فيما تُدفع الدولة إلى قفص الاتهام بتهمة الفشل، بعد أن جرى تفريغها الممنهج من سيادتها وهيبتها وقرارها، باسم مشروع فُرض عليها لا من داخلها.
يشكّل خطاب قماطي نموذجًا صارخًا للتناقض السياسي، إذ يهاجم فكرة الدولة في لبنان فيما تؤكّد الوقائع أنّ ما آلت إليه البلاد هو نتيجة مباشرة لهيمنة السلاح خارج إطارها، وتعطيل قيام الدولة بقوة الأمر الواقع على مدى عقود.
الكلام عن غياب الدولة يصبح فاقدًا للمصداقية عندما يصدر عن جهة كانت الشريك الأساسي في إضعافها. السلاح الذي يرفض قماطي تسليمه للدولة هو نفسه السلاح الذي منع الدولة من حماية شعبها، ومن بسط سيادتها، ومن بناء اقتصاد مستقر، ومن فرض القانون على الجميع بلا استثناء.
الحديث عن السيادة يتهاوى أمام حقيقة أن القرار العسكري والأمني ظل خارج مؤسسات الدولة، وأن لبنان دُفع إلى مواجهات وحروب لم يقررها مجلس الوزراء ولا ناقشها البرلمان. النتيجة كانت عزلة دولية، وانهيارًا اقتصاديًا، وتفككًا اجتماعيًا، وكلها أثمان دفعها اللبنانيون بسبب خيار فرض مشروع فوق الدولة لا داخلها.
الادعاء بأن المطالبة بحصر السلاح بيد الدولة تخدم “العدو الإسرائيلي” يتجاهل حقيقة أساسية مفادها أن الدول تُحمى بجيوش نظامية وقرار مركزي، لا بتعدد الجبهات والولاءات. التجارب العالمية تثبت أن الدول القوية تُبنى بالمؤسسات لا بالميليشيات، وبالشرعية لا بالاستقواء.
السؤال الذي يتهرّب منه قماطي واضح، كيف يمكن لدولة أن تفرض هيبتها خلال أربع وعشرين ساعة، بعدما جرى تقويضها عمدًا طوال ثلاثين عامًا؟ المنطق يقول إن من عطّل الدولة لعقود لا يملك حق تحميلها مسؤولية فشلٍ صنعه بيده.
الواقع السياسي يثبت أن “حزب الله” كان شريكًا أساسيًا في إيصال البلاد إلى الانهيار، من خلال تعطيل الاستحقاقات، وحماية منظومة الفساد، وربط لبنان بمحاور خارجية، ثم يعود اليوم للبحث عن دولة مفقودة كان أول من صادرها.
الخلاصة تؤكد أن خطاب قماطي لا يعكس حرصًا على الدولة، بل محاولة قلب للوقائع. الدولة التي يطالب بها اليوم هي ذاتها الدولة التي جرى إسقاط هيبتها بالسلاح، ومنع قيامها بالقوة، ثم تحميلها فجأة مسؤولية الفشل.
هنا ينحصر خطاب قماطي بـ«الأغبياء فقط»، لا بمن يطالبون بدولة حقيقية، سيدة، قادرة وعادلة.