خاص بوابة بيروت

كاتب وناشط سياسي
لم يكن تاجيل ترامب لملف إيران قرارًا عابرًا أو تراجعًا مؤقتًا، بل خطوة محسوبة بدقة بانتظار اكتمال الآلية الشاملة: عسكريًا، لوجستيًا، وسياسيًا.
فعلى الصعيد العسكري، عمل ترامب على تحضير المسرح الدولي عبر تفاهمات غير مباشرة مع الصين حول ملف تايوان، واتفاقات واضحة مع روسيا بخصوص أوكرانيا، بالتوازي مع مفاوضات مع أوروبا حول غرينلاند، في إطار إعادة رسم خرائط النفوذ العالمي.
وفي أمريكا اللاتينية، أنهى ملف فنزويلا، بينما في الشرق الأوسط قدّم لدول الخليج الضمانات الأمنية المطلوبة، ومنح السعودية الضوء الأخضر في اليمن، وأمّن للسوري التقدم الميداني وإنهاء حالة الحرب، منهياً دور “قسد”، مع احتمالية إغلاق ملف السويداء أيضًا.
كل ذلك تزامن مع نقل واسع للقواعد الجوية والعسكرية والبحرية الأمريكية إلى مناطق حساسة في الإقليم، إضافة إلى حشود عسكرية ضخمة على حدود الأردن، في رسالة واضحة بأن المنطقة مقبلة على مرحلة جديدة أكثر سخونة وحسمًا.
ولم يتوقف المشهد عند هذا الحد، بل جرى العمل على تأسيس منظومة دولية جديدة بقواعد يراها ترامب مناسبة، كبديل فعلي لحلف الناتو، بما ينسجم مع رؤيته لإدارة العالم وفق ميزان قوى جديد.
اليوم، وبعد دراسة دقيقة لكل خطوة، يجد ترامب نفسه قريبًا جدًا من تحقيق هدفه الاستراتيجي الأبرز: إنهاء إيران ومنظومتها الإقليمية في لبنان واليمن، وقد تمتد التداعيات لاحقًا إلى العراق.
وفي ظل هذا التطور المتسارع، تبرز الصين كلاعب صامت ظاهريًا، لكنها تتحرك بعمق “تحت الطاولة”، كما يُقال. فبعد أن أُغلقت أمامها الطرق في سوريا واليمن وفنزويلا، بدأت بفتح مسارات جديدة عبر كندا وأوروبا، ويبقى ملف غرينلاند العائق الأكبر أمام هذا التوجه.
ومن هنا يمكن فهم إصرار ترامب على غرينلاند، ليس فقط لأهميتها الجغرافية، بل لكونها المفتاح الأساسي لإغلاق الطريق أمام التمدد الصيني نحو كندا، ومن ثم إلى أمريكا الجنوبية.
اليوم تتصادم المصالح الاقتصادية الأمريكية والصينية بشكل مباشر، ويتحول هذا الصراع الاقتصادي إلى حروب سياسية وعسكرية بالوكالة مع كل من يقف خلف أو يسهل التوسع الاقتصادي الصيني.
وقد يكون النظام المصري أحد ضحايا هذا الصراع، إلى جانب بعض دول المنطقة، في مشهد يؤكد أن العالم يدخل مرحلة إعادة تشكيل قاسية، لا مكان فيها للحياد، ولا رحمة فيها للضعفاء.