‎وطن يتداعى فوق رؤوس أبنائه : الموت في منزل ينهار بكرامة أم العيش بالذل والندامة؟

خاص بوابة بيروت

‎مع كل شتاء يطرق أبواب لبنان، لا يأتي البرد وحده، بل تصاحبه أزمات تتجدد وتثقل كاهل المواطن، في بلد اعتاد أن يترك أبناءه في مواجهة مصيرهم.

فالتحديات المعيشية والاجتماعية لم تعد طارئة ولا مؤقتة، بل تحولت إلى واقع يومي يزداد قسوة عاماً بعد عام، في ظل غياب شبه تام لأي حلول جدية أو رؤية إنقاذية حقيقية.

‎تشير آخر الإحصاءات الصادرة عن وزارة الشؤون الاجتماعية إلى أن نحو 35% من اللبنانيين باتوا تحت خط الفقر، وهو رقم لا يعكس مجرد أزمة اقتصادية، بل يختصر مأساة مجتمع بأكمله. فالفقر لم يعد استثناءً، بل أصبح القاعدة، واتسعت دائرته مع تفشي البطالة وانعدام فرص العمل، وغياب أبسط مقومات الضمان الاجتماعي والصحي.

‎هذا الواقع خلق فجوة خطيرة في مستوى المعيشة بين طبقات المجتمع. فبينما يزداد الفقير فقراً وعجزاً، يزداد الغني غنى وبذخاً، في مشهد صارخ يختزل حجم الظلم الاجتماعي. نرى مواطنين عالقين في مستنقع الحرمان والجوع من ادنى مقومات الحياة ، يكافحون من أجل تأمين لقمة العيش، في مقابل آخرين يمارسون حياتهم الطبيعية في أرقى المنتجعات والمطاعم، وكأنهم يعيشون في بلد آخر لا يمتّ بصلة لوجع الأغلبية.

‎الحد الأدنى للأجور بالكاد يكفي لسد جزء بسيط من الاحتياجات الأساسية، إذ لا يتجاوز بضع مئات من الدولارات، في حين أن أدنى أسعار الإيجارات تفوق هذا الدخل بأضعاف. أما تكاليف الحياة من غذاء ودواء واستشفاء وتعليم، فقد أصبحت عبئاً يفوق قدرة المواطن على الاحتمال. أمام هذا المشهد القاتم، يجد اللبناني نفسه أمام سؤال قاسٍ وموجع: هل المطلوب منه أن يعيش في ذل وإهانة دائمة، أم أن الموت بكرامة بات أرحم من حياة تُسلب فيها أبسط الحقوق؟

‎ولا تتوقف المأساة عند حدود الفقر وحده، بل تتعداه إلى خطر داهم يهدد حياة آلاف العائلات، يتمثل في عدم سلامة المباني القديمة، لا سيما تلك الخاضعة لقانون الإيجارات القديم. فهذا القانون يمنع أصحاب الأملاك من استعادة ممتلكاتهم، وفي الوقت نفسه يحمّلهم مسؤولية سلامة الأبنية، رغم عجزهم عن تأهيلها. وفي المقابل، يقف المستأجر عاجزاً عن إيجاد بديل آمن في ظل الغلاء الفاحش، لا يعلم إلى أين يذهب إن اضطر إلى ترك منزله.

‎اليوم، تقع المسؤولية بشكل مباشر على بلديات المدن، ووزارة الشؤون الاجتماعية، ووزارة الأشغال العامة، التي يفترض بها التدخل العاجل لإعادة تأهيل هذه المباني أو إيجاد حلول عادلة ومتوازنة، تحمي حياة السكان، من دون تحميل المالك وحده هذا العبء او المسؤوليه، ومن دون ترك المستأجر فريسة الخوف والتشرد.

‎غير أن هذا الملف، كسواه من الملفات المصيرية، يبقى رهينة قرارات حكومية مؤجلة، رغم خطورته البالغة. فالمشكلة لا تقتصر على مدينة طرابلس وحدها، بل تشمل مختلف المناطق اللبنانية، وعلى رأسها بيروت، حيث تتقاطع الأزمات المعيشية مع خطر الانهيارات والمآسي الإنسانية.

‎في النهاية، يبقى السؤال الأكبر والأكثر إلحاحاً، إلى متى يُترك المواطن اللبناني وحيداً في مواجهة الفقر، الخوف، وانعدام الكرامة؟
وإلى متى يبقى الاختيار محصوراً بين الموت بكرامة… أو العيش في الذل والإهانة؟

اخترنا لك