خاص بوابة بيروت

ناشط سياسي
ما شهدته مدينة طرابلس صباح اليوم من انهيار أبنية متهالكة ليس حادثًا معزولًا، ولا يمكن التعامل معه كأمر طارئ أو استثنائي، بل هو نتيجة مباشرة لسنوات طويلة من الإهمال المزمن وغياب السياسات العامة الوقائية، ودليل إضافي على فشل الدولة في القيام بواجباتها الأساسية تجاه سلامة مواطنيها.
في طرابلس، لا توجد عوائق سيادية أو ظروف قاهرة تمنع الدولة من ممارسة دورها الطبيعي في حماية الناس. ما يمنع هو غياب التخطيط، وضعف المتابعة، وترك الملفات الحيوية من دون معالجة جدّية، ما أدى إلى تعريض المواطنين لمخاطر معروفة ومُشخَّصة منذ سنوات.
كان من الممكن، بل من المتوجب وفق أبسط معايير السلامة العامة، إخلاء العائلات القاطنة في الأبنية المهددة، وتأمين مساكن مؤقتة تحفظ كرامتهم وسلامتهم، ريثما تُنجز أعمال التدعيم والترميم اللازمة. كما كان من الممكن اعتماد آليات فنية وإدارية واضحة للتعامل مع هذا النوع من المخاطر. إلا أن هذا لم يحصل، ما يطرح علامات استفهام جدّية حول أولويات الإدارة العامة.
إن ما انهار في طرابلس ليس مبنى فقط، بل نموذج كامل من الإدارة المهترئة. فكما تتآكل الأبنية القديمة من دون صيانة، تتآكل مؤسسات الدولة بفعل غياب الإصلاح، وضعف المحاسبة، واستمرار العمل بمنطق المعالجة بعد وقوع الكارثة لا قبلها.
إن الحكومة ومؤسسات الدولة، بحكم مسؤولياتها الدستورية والقانونية، معنيّة مباشرة بتحمّل تبعات هذا التقصير، وبإجراء مراجعة شاملة للسياسات المتبعة في ملف السلامة العامة والإسكان، بما يضمن عدم تكرار هذه المآسي.
كما أن جميع من يتولّون مسؤوليات تمثيلية أو تنفيذية أو إدارية في الدولة، هم معنيون أخلاقيًا ووظيفيًا بالمساءلة أمام الرأي العام، وبالإجابة عن أسئلة الناس حول كيفية إدارة الموارد العامة، وأولويات الإنفاق، وفعالية القرارات المتخذة.
بدل هدر الموازنات الضخمة على مواكب أمنية استعراضية، أشبه بمواكب ترامبية، تُكلّف الخزينة ملايين الدولارات لحماية سياسيين نخر الفساد تاريخ نصفهم، أبًا عن جد، كان الأجدى صرف هذه الأموال على حماية الناس، لا على حماية الكراسي.
سفر بلا جدوى، ووفود بلا إنتاج، ومرافقون بلا منفعة، ومصاريف بلا طعم ولا معنى، فيما المواطن يُترك وحيدًا تحت سقف مهدّد بالسقوط، بلا أمان ولا كرامة.
استقبالات بلا معنى لمحلّلين منتهيّي الصلاحية ومهرجين من كل صوب ومستشارين بلا أي جدوى، وتعيينات بالجملة، تُقدَّم وكأنها ورشة بناء دولة، فيما هي في الحقيقة مجرّد ورشة لملء جيوب الأغنياء الجدد، وتوسيع هرم التبعيين، وتعميق الزبائنية السياسية.
كل هذا الاستعراض الفارغ يُسوَّق كإنجاز، بينما الدولة تُفرَّغ من معناها، والمؤسسات تُدار كغنائم، والمال العام يُستخدم لتثبيت الولاءات لا لبناء الأمان، ولا لحماية الناس، ولا لمنع البيوت من السقوط على أهلها.
هكذا تُدار البلاد: ضجيج بلا مضمون، مناصب بلا وظيفة، ومستشارون بلا أثر؛ فيما الحقيقة واحدة: ما يُبنى ليس دولة، بل منظومة مصالح تُعيد إنتاج نفسها على حساب الوطن.
وأي انفصال عن الواقع؟ أن تُصرف الأموال على الاستعراض، فيما تُترك البيوت لتنهار على ساكنيها؟ هذا من دون ان نأتي على ذكر القرى الحدودية من الجنوب الغالي، والتي ما زال أهلها يعانون التهجير والذل والإبعاد حيث أوكلت الدولة صلاحياتها للميكانيزم.
خسئتم يا من تخلّيتم عن أبسط واجباتكم.
خسئتم لأنكم اخترتم حماية أنفسكم بدل حماية شعبكم.
كما يحق للرأي العام أن يطرح تساؤلات مشروعة حول مدى فعالية بعض التعيينات والاستشارات، وحول ما إذا كانت هذه الخيارات تندرج ضمن رؤية إصلاحية حقيقية، أم أنها تكرار لنهج إداري أثبت فشله في بناء دولة فاعلة وعادلة.
من القلب، نتقدم بالتعازي الصادقة لعائلات الضحايا، ونتضامن مع أهل طرابلس في هذا المصاب الأليم. إن هذا الألم لا يخص مدينة واحدة، بل يعكس معاناة وطن بأكمله من سياسات الإهمال وغياب التخطيط.
طرابلس تستحق الحياة، وتستحق الأمان، وتستحق أن تكون سلامة أبنائها أولوية لا بندًا مؤجلًا. وما حصل اليوم يجب أن يكون نقطة تحوّل حقيقية نحو إصلاح جذري في إدارة الدولة، قبل أن تتكرّر المأساة في مكان آخر.
إن الصمت عن الخلل، أو الاكتفاء بالتعاطف، لم يعد كافيًا. المطلوب سياسات واضحة، ومحاسبة مؤسسية، وإرادة فعلية تحمي الناس قبل وقوع الكارثة، لا بعدها.
المطلوب صراحة رجال دولة لا رجال لبيع الدولة.