رصد بوابة بيروت
— في مشهد تصعيدي يعكس اتساع رقعة المواجهة داخل إيران وتداخلها مع ضغوط إقليمية ودولية متزايدة، شهدت البلاد تحركات شعبية واسعة ترافقت مع تطورات أمنية وسياسية غير مسبوقة، أعادت وضع النظام الإيراني أمام اختبار داخلي وخارجي بالغ الحساسية.
مدن زاهدان وراسك وخاش شهدت خروج مواطنين من البلوش في تظاهرات واسعة عقب صلاة الجمعة، حيث دوّت هتافات مباشرة وغير مسبوقة من حيث حدّتها، من بينها الموت لخامنئي، الموت للديكتاتور، الموت للبسيجي، إلى جانب شعار هذا العام عام الدم، سيسقط سيد علي، في تعبير واضح عن تصاعد الخطاب الاحتجاجي واتجاهه نحو المواجهة المفتوحة مع رأس النظام.
وتوسّعت رقعة الاحتجاجات لتشمل أكثر من خمس عشرة مدينة، بينها طهران ومشهد والأهواز، حيث نفّذ المحتجون هجمات على مراكز القمع، وأحرقوا رموزًا تابعة للنظام، وتمكّنوا من كسر الطوق الأمني، مؤكدين من خلال ترداد شعار الموت لخامنئي عزمهم على إسقاط النظام بكامل أركانه.
وفي موازاة ذلك، أعلنت منظمة مجاهدي خلق أسماء أربعة وتسعين شهيدًا إضافيًا من شهداء الانتفاضة، بينهم خمس عشرة امرأة وخمسة قاصرين، ما رفع العدد الإجمالي المعلن إلى خمسمئة وثلاثة وأربعين شهيدًا، في مؤشر على حجم الخسائر البشرية التي تواصل الارتفاع مع استمرار القمع.
تقارير ميدانية صادمة خرجت من كرمانشاه، حيث وثّق أحدها ما وصفه بمسلخ بشري، مشيرًا إلى مقتل نحو ألف وأربعمئة متظاهر، وارتكاب انتهاكات شملت انتزاع الأعضاء والتعذيب بالمثاقب، مع اتهامات بمشاركة ميليشيات أجنبية في هذه الممارسات.
المجلس التنسيقي للمعلمين أعلن بدوره أسماء اثنين وثلاثين طفلًا تلميذًا ضمن لائحة الطلاب الذين قُتلوا خلال الاحتجاجات الأخيرة، ما أضاف بعدًا إنسانيًا مأساويًا إلى المشهد، خصوصًا في ظل اتساع رقعة الضحايا من الفئات العمرية الصغيرة.
بيان الجمعية الإسلامية لطلاب جامعة شريف الصناعية عبّر عن مستوى غير مسبوق من الغضب، معتبرًا أن الحديث لم يعد يليق إلا بالدماء المسفوكة في الأزقة والشوارع، وبسجل الجرائم المفتوح، ومتهمًا السلطة بممارسة سلوك من عصور وسطى بعقلية تاريخية، وذاهبًا إلى حد القول إن أبشع الطغاة في التاريخ بدوا أقل سوءًا مما يجري اليوم.
على المستوى الدولي، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على تسع سفن وثماني شركات على خلفية قمع الاحتجاجات وقطع الإنترنت في إيران، في خطوة عكست تشديدًا إضافيًا في الموقف الأميركي تجاه طهران.
وفي سياق متصل، ورد في وثيقة استراتيجية الدفاع الصادرة عن البنتاغون أن إيران مصمّمة على إعادة بناء قواتها، مع احتمال عودة سعيها للحصول على سلاح نووي، وتوقّعت الوثيقة أن يعمل وكلاء إيران على إعادة بناء بنيتهم التحتية وإشعال أزمات إقليمية قد تهدد حياة الجنود الأميركيين في المنطقة، معتبرة أن النظام الإيراني بات أضعف وأكثر عرضة للخطر مما كان عليه منذ عقود.
التوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة وإيران انعكس كذلك على حركة الطيران، حيث أدى إلى تعليق بعض الرحلات الأوروبية المتجهة إلى الشرق الأوسط، في مؤشر إضافي على تداعيات الأزمة خارج الحدود الإيرانية.
وفي تطور ذي صلة، نقلت رويترز أن واشنطن هدّدت بغداد بفرض عقوبات نفطية وتجميد الدولار في حال ضمّت الحكومة العراقية الجديدة ميليشيات تابعة للنظام الإيراني، في وقت أعلن فيه ائتلاف شيعي عراقي ترشيح نوري المالكي لمنصب رئاسة الوزراء.
كما أفادت رويترز بأن الولايات المتحدة تمارس ضغوطًا على بوليفيا لطرد ما وصفته بجواسيس إيرانيين، إلى جانب تحركات لتصنيف الحرس الإيراني وحماس و”حزب الله” منظمات إرهابية، ضمن مسار دولي متصاعد لعزل طهران وأذرعها الإقليمية.
مجمل هذه التطورات يرسم صورة مرحلة شديدة التعقيد، تتقاطع فيها انتفاضة داخلية آخذة في التصعيد مع ضغوط سياسية وأمنية دولية متزايدة، ما يضع النظام الإيراني أمام واحدة من أخطر لحظاته منذ عقود.