قراءة “تاريخية – قانونية” في ضوء قواعد القانون الدولي العام
@dr_tarakji
بقلم د. عبد العزيز طارقجي – خاص بوابة بيروت

صحافي استقصائي وباحث في حقوق الانسان
يتناول هذا البحث “التاريخي – القانوني” بالتحليل النقدي السردية القومية الكردية التي تدّعي وجود «حق تاريخي وسيادي» للأكراد في مناطق من شمال سورية، ولا سيما ما يُعرف بالجزيرة السورية. ويُبيّن استنادًا إلى المنهج التاريخي التحليلي وإلى القواعد المستقرة في القانون الدولي العام، أن هذه السردية تفتقر إلى الأساس التاريخي المتصل وإلى السند القانوني النافذ.
يخلص البحث إلى أن الوجود الكردي الكثيف في شمال سورية ظاهرة حديثة نسبيًا تعود إلى النصف الأول من القرن العشرين، ولا تُنشئ بحد ذاتها حقًا في الملكية أو السيادة. كما نؤكد أن القانون الدولي لا يعرف مفهوم «الملكية القومية للأرض»، وأن حق تقرير المصير لا يُفسَّر بوصفه حقًا تلقائيًا في الانفصال أو اقتطاع الأراضي. كما يخلص في ضوء الاعتراف الرسمي من الدولة السورية بحقوق المواطنين الأكراد بوصفهم جزءًا أصيلًا من الشعب السوري، إلى أن القضية الكردية هي قضية حقوق سياسية وثقافية داخل دولة قائمة ذات سيادة، لا قضية ملكية أرض أو مشروع تقسيمي مشروع قانونًا.
أفرزت التحولات السياسية والأمنية التي شهدتها الجمهورية العربية السورية منذ عام 2011 تصاعدًا ملحوظًا في الخطاب القومي الكردي، ولا سيما في ما يتعلّق بإعادة توصيف بعض مناطق شمال البلاد، وبالأخص منطقة الجزيرة السورية، بوصفها «أرضًا كردية تاريخية» يُفترض أنها تحمل حقًا سياديًا خاصًا أو قابلًا للتأسيس. ويقوم هذا الخطاب، في جوهره، على مزيج من السرديات التاريخية الانتقائية والتأويلات الموسَّعة، بل والمُفرِطة أحيانًا، لمبدأ حق تقرير المصير، بما يتجاوز الإطار الذي استقر عليه فقه القانون الدولي العام وممارساته.
وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى إخضاع هذه السرديات للفحص الأكاديمي والقانوني الرصين، بعيدًا عن المقاربات التعبوية أو التوظيفات السياسية الظرفية، وذلك عبر الربط المنهجي بين التاريخ الفعلي لتكوّن المنطقة وسكّانها، وبين القواعد الناظمة لمسائل السيادة والحدود في القانون الدولي المعاصر.
فالقانون الدولي لا يُقيم وزنه على الادعاءات القومية المجردة أو الكثافات السكانية الطارئة، بل على مبادئ راسخة في مقدمتها سلامة أراضي الدول، وعدم جواز اقتطاع الإقليم على أساس إثني أو عرقي.
وانطلاقًا من هذا الإطار، يهدف هذا البحث إلى تفكيك الخطاب القومي الكردي المسيس المتعلق بشمال سورية، من خلال التمييز الصارم بين الوجود السكاني بوصفه واقعًا اجتماعيًا متغيّرًا من جهة، والملكية السيادية للأرض بوصفها مفهومًا قانونيًا منضبطًا تحكمه قواعد الاعتراف الدولي والمعاهدات النافذة من جهة أخرى، بما يسمح بإعادة وضع القضية الكردية في موقعها القانوني الصحيح: قضية حقوق سياسية وثقافية داخل دولة قائمة ذات سيادة، لا قضية ملكية أرض أو حق سيادي مستقل.
أولًا : الإطار التاريخي لشمال سورية “الجزيرة السورية”
تاريخيًا، شكّلت الجزيرة السورية جزءًا أصيلًا من الفضاء الحضاري لبلاد ما بين النهرين، وعُرفت في المصادر الجغرافية والتاريخية القديمة باسم الجزيرة العليا “Upper Mesopotamia”. وقد تميّزت هذه المنطقة، عبر تاريخها الطويل، بطابعها المفتوح والمتعدّد، حيث تعاقبت عليها شعوب موثّقة حضورها في السجلات الأثرية والنصّية، من أبرزها الحوريون والآشوريون والآراميون، ثم السريان في العصور اللاحقة، إضافة إلى القبائل العربية التي استقرّت فيها بكثافة منذ الفتح الإسلامي، وأسهمت في تشكيل بنيتها السكانية والاجتماعية على مدى قرون.
ولا تُظهر المصادر التاريخية أو الأثرية المعتمدة، سواء في العصور القديمة أو الوسيطة، وجود كيان كردي سياسي منظَّم أو سيادة كردية قائمة على إقليم الجزيرة السورية، كما لا ترد في أي من هذه المصادر إشارات إلى توصيف المنطقة بوصفها إقليمًا قوميًّا كرديًّا.
ويعزّز هذا الاستنتاج البعد الجغرافي للمنطقة، إذ إن الخصائص الطبيعية للجزيرة السورية، باعتبارها منطقة سهلية زراعية مفتوحة، لا تتوافق مع أنماط الاستقرار التاريخي الكردي التي ارتبطت، في الغالب، بالمناطق الجبلية الوعرة في نطاقي «زاغروس» و «طوروس»، حيث تشكّلت البُنى القبلية والسياسية الكردية التقليدية.
وعليه، فإن القراءة التاريخية المتأنّية للجزيرة السورية تُظهرها بوصفها مجالًا حضاريًا متعدّد الأعراق والثقافات، لا إقليمًا ذا هوية قومية أحادية، الأمر الذي ينفي، من حيث المبدأ التاريخي، أي ادّعاء بوجود سيادة كردية سابقة أو «أصالة إقليمية» يمكن البناء عليها لتأسيس مطالبة قانونية معاصرة بالملكية أو الحكم السيادي.
ثانيًا : الوجود الكردي الكثيف بوصفه ظاهرة حديثة نسبيًا
تُجمع الدراسات التاريخية والديمغرافية على أن التحوّل السكاني الأبرز في شمال سورية، ولا سيما في منطقة الجزيرة السورية، قد وقع خلال النصف الأول من القرن العشرين، وتحديدًا في الفترة الممتدة بين عامي 1920 و1939.
ففي أعقاب انهيار الدولة العثمانية “1918” وفشل المشاريع القومية الكردية في الأناضول، شهدت المنطقة موجات نزوح كردية متتالية من جنوب شرق تركيا نحو الأراضي السورية.
وقد بلغت هذه الموجات ذروتها بعد قمع انتفاضة الشيخ سعيد بيران عام 1925، وما تلاها من سياسات قمعية ممنهجة انتهجتها الدولة التركية الكمالية، شملت الإعدامات والتهجير ومصادرة الأراضي، الأمر الذي دفع عشرات الآلاف من الأكراد إلى النزوح باتجاه مناطق القامشلي وعامودا والدرباسية والمالكية.
وترافقت هذه التحركات السكانية مع سياسات الانتداب الفرنسي في سورية، الذي سمح بالاستقرار الدائم واستثمر وجود الأقليات ضمن ترتيباته الإدارية والأمنية خلال ثلاثينيات القرن العشرين.
وعليه، فإن الوجود الكردي الكثيف في الجزيرة السورية هو نتاج ظروف سياسية وأمنية حديثة نسبيًا، ارتبطت بسياقات ما بعد الحرب العالمية الأولى، ولا يُشكّل امتدادًا تاريخيًا متصلًا أو متجذرًا يرقى إلى مستوى «الأصالة السيادية» أو يُنشئ «ملكية قومية للأرض» وفق المعايير التاريخية أو القانونية المعترف بها دوليًا.
التفنيد من منظور القانون الدولي العامغ
1. غياب مفهوم «الملكية القومية للأرض»
يؤسس القانون الدولي العام نظامه على الاعتراف بالدول ذات السيادة وحدودها المعترف بها، ولا يعترف بأي مفهوم يُسمّى «الملكية القومية أو الإثنية للأرض». فالسيادة ليست نتاج الانتماء العرقي أو السردية التاريخية، بل ثمرة الاعتراف الدولي والممارسة القانونية المستقرة.
ويُعدّ مبدأ سلامة أراضي الدول قاعدة محورية في النظام الدولي المعاصر، وقد كُرّس في ميثاق الأمم المتحدة وفي اجتهادات الهيئات الدولية، بما يمنع اقتطاع أراضٍ على أساس قومي أو إثني.
2. حق تقرير المصير وحدوده القانونية
يُفهم حق تقرير المصير، في فقه القانون الدولي، بوصفه حقًا يُمارَس أساسًا داخل الدولة القائمة، من خلال ضمان الحقوق الثقافية واللغوية والسياسية والمشاركة في الحكم.
ولا يتحوّل هذا الحق إلى انفصال إلا في حالات استثنائية ضيّقة، كحالات الاستعمار الأجنبي المباشر أو الحرمان الشامل غير القابل للإصلاح، وهي شروط لا تنطبق على الحالة الكردية في سورية.
3. المعاهدات الدولية والسند القانوني
يُستشهد أحيانًا بما ورد في معاهدة سيفر “10 آب – أغسطس 1920″، غير أن هذه المعاهدة لم تدخل حيّز التنفيذ ولم تُنشئ التزامًا قانونيًا نافذًا.
أما الإطار القانوني الملزم للحدود في المنطقة فقد أُرسِي بموجب معاهدة لوزان “24 تموز – يوليو 1923″، التي ثبّتت الحدود المعترف بها دوليًا ولم تتضمن أي اعتراف بكيان كردي مستقل.
وبناءً عليه، لا يوجد في القانون الدولي المعاصر سند يُجيز اقتطاع أراضٍ سورية على أساس قومي.
الدولة السورية والاعتراف بالحقوق دون المساس بالسيادة
أكّد المرسوم الرئاسي رقم “13” لعام 2026، الصادر عن رئيس الجمهورية العربية السورية أحمد الشرع في دمشق بتاريخ 16 كانون الثاني – يناير 2026 ، الاعتراف بالمواطنين السوريين الكُرد بوصفهم «جزءًا أساسيًا وأصيلًا من الشعب السوري»، وأن هويتهم الثقافية واللغوية «جزءٌ لا يتجزأ من الهوية الوطنية السورية المتعددة والموحّدة».
ويُلاحظ، من منظور قانوني – دستوري، أن المرسوم صاغ هذا الاعتراف ضمن إطار السيادة الوطنية ووحدة الإقليم، بما يقطع مع أي تأويل يزعم أن الاعتراف بالخصوصيات الثقافية يُنتج أثرًا سياديًا أو ينهض بذاته كأساس قانوني لتغيير الحدود. فقد نصّ المرسوم على التزام الدولة بحماية التنوع الثقافي واللغوي وضمان حق المواطنين الكرد في إحياء تراثهم وتطوير لغتهم الأم «في إطار السيادة الوطنية»، كما اعتبر اللغة الكردية «لغة وطنية» وأجاز تدريسها في المدارس ضمن المناطق ذات الكثافة الكردية بصيغ تعليمية اختيارية – ثقافية.
وعلى مستوى معالجة آثار سياسات التمييز السابقة، تضمّن المرسوم نقطة ذات دلالة قانونية مباشرة تتصل بإحصاء الحسكة لعام 1962، إذ ألغى «القوانين والتدابير الاستثنائية» المترتبة عليه، ونصّ على منح الجنسية السورية للمقيمين من أصول كردية داخل الأراضي السورية، بمن فيهم «مكتومو القيد»، مع المساواة التامة في الحقوق والواجبات. كما أقرّ عيد النوروز “21 آذار” عطلة رسمية مدفوعة الأجر على مستوى الجمهورية، وحظر قانونًا أي تمييز أو إقصاء على أساس عرقي أو لغوي، وقرّر معاقبة التحريض على الفتنة القومية وفق القوانين النافذة.
وتعزيزًا للاتجاه الرسمي ذاته، صدرت مواقف متطابقة من مستويات سيادية في الدولة، من بينها تصريحات مسؤولي وزارتي الخارجية والداخلية الذين أكدوا باستمرار أن «الأكراد ركن أصيل» في الهوية الوطنية السورية وأن مستقبل السوريين «واحد لا يتجزأ»، فضلًا عن خطاب وزارة الدفاع الذي خاطب «أهلنا الكرد» بوصفهم جزءًا أصيلًا من الشعب السوري، مقرًّا بتعرضهم عبر عقود لسياسات ظلم وتهميش وحرمان من الحقوق في الفترات السابقة.
وبناءً عليه، فإن الدلالة القانونية المركزية لهذا المرسوم لا تتمثل في “ترخيص” أي وضع سيادي موازٍ، بل في إعادة تأطير المسألة الكردية بوصفها مسألة حقوق مواطنة ثقافية ومدنية وسياسية داخل دولة قائمة؛ وهو ما ينسجم مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، دون أن يرتّب أي أثر قانوني يجيز تغيير الحدود أو إنشاء كيان سيادي منفصل.
خامسًا : عدم مشروعية العنف المسلح باسم الحقوق القومية
يُجرّم القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان، على نحوٍ قاطع وغير قابل للتأويل، أي أعمال قتل خارج نطاق القضاء، أو تعذيب، أو إرهاب، أو احتجاز تعسفي، أو إنشاء سجون سرّية، أو فرض سلطات أمر واقع بقوة السلاح، وذلك بصرف النظر عن الذرائع القومية أو الحقوقية أو الأيديولوجية التي تُرفع لتبرير هذه الأفعال. ولا يترتب على ارتكاب مثل هذه الانتهاكات أي أثر مُنشئ للحقوق أو السيادة، كما لا تُكسب مرتكبيها أو القائمين بها أي شكل من أشكال الاعتراف القانوني أو الدولي.
ويُؤكّد هذا المبدأ بوضوح أن الشعب الكردي، بوصفه جماعة قومية وثقافية داخل دولة قائمة، لا يمكن اختزاله أو مصادرته تمثيليًا من قبل حزب مسلّح أو تنظيم يفرض نفسه بحكم الأمر الواقع. فالقانون الدولي لا يعترف بالتمثيل السياسي أو القومي الذي يُنتزع بالقوة أو يُفرض عبر السيطرة العسكرية، ولا يُجيز لأي فاعل مسلّح أن يدّعي تمثيل جماعة سكانية بأكملها، خصوصًا إذا اقترن هذا الادّعاء بارتكاب انتهاكات جسيمة وممنهجة لحقوق الإنسان.
وفي هذا الإطار، تُعدّ الجرائم التي شملت القتل العمد للمدنيين، وأعمال التفجير التي استهدفت مناطق مأهولة، والتعذيب وسوء المعاملة، وإنشاء مرافق احتجاز غير قانونية، انتهاكات جسيمة لاتفاقيات جنيف لعام 1949 وبروتوكولاتها الإضافية، وترقى في بعض صورها إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية متى توافرت أركانها المادية والمعنوية. ولا يُغيّر من توصيفها القانوني كون مرتكبيها يرفعون شعارات «الحماية» أو «الدفاع عن الحقوق»، إذ إن المشروعية لا تُستمد من الشعار بل من الالتزام بالقانون.
ويكتسب الأمر خطورة مضاعفة في ضوء ما كُشف لاحقًا عن احتجاز قاصرين وأطفال في مرافق احتجاز تابعة لتنظيم مسلّح، فضلًا عن تجنيد الأطفال والزجّ بهم في الخطوط الأمامية للقتال، وهي أفعال محظورة بشكل صريح بموجب اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989 وبروتوكولها الاختياري بشأن إشراك الأطفال في النزاعات المسلحة لعام 2000، والتي تُجرّم تجنيد من هم دون الثامنة عشرة واستخدامهم في الأعمال العدائية، وتُعدّ ذلك جريمة دولية تستوجب المساءلة الفردية. كما يُشكّل استغلال النساء، سواء عبر الإكراه أو الاحتجاز أو الاستخدام في سياقات عسكرية أو أمنية، انتهاكًا جسيمًا للكرامة الإنسانية ولمبدأ الحماية الخاصة للنساء في النزاعات المسلحة.
ومن منظور القانون الدولي الجنائي، فإن هذه الأفعال “مجتمعة أو منفردة” لا تُسقط المسؤولية عن مرتكبيها، ولا تُكسب أي تنظيم مسلّح أهلية سياسية أو تمثيلية، بل على العكس، تنفي عنه أي ادّعاء بالمشروعية وتُرسّخ توصيفه كفاعل غير دولتي منتهِك للقانون. كما أن المجتمع الدولي لم يمنح، ولم يُبدِ استعدادًا لمنح، أي اعتراف قانوني لكيانات نشأت أو استمرّت عبر الانتهاكات، أو ادّعت تمثيل جماعات سكانية بالقوة.
وعليه، فإن الزعم بأن تنظيمًا مسلّحًا يمكنه تمثيل «الشعب الكردي» أو التحدّث باسمه، في ظل سجل موثّق من الانتهاكات الجسيمة، يُعدّ مصادرة غير مشروعة لإرادة جماعية متعدّدة، ويتعارض صراحةً مع المبادئ الأساسية للقانون الدولي، التي تفصل بين الحقوق القومية المشروعة من جهة، والعنف غير المشروع وفرض الأمر الواقع من جهة أخرى.
في الختام، يخلص هذا البحث، استنادًا إلى القراءة التاريخية الموثّقة وإلى القواعد المستقرة في القانون الدولي العام، إلى أن السردية القومية التي تُحاول إضفاء طابع الملكية التاريخية أو الحق السيادي على مناطق من شمال سورية لا تقوم على أساس علمي متصل ولا على سند قانوني دولي نافذ.
فالمنطقة، في مسارها التاريخي، لم تُشكّل كيانًا كرديًا سياديًا، كما أن الوجود الكردي الكثيف فيها هو نتاج تحوّلات سياسية حديثة نسبيًا، لا يُنشئ بذاته حقًا في السيادة أو يبرّر إعادة رسم الحدود.
وفي هذا الإطار، يتبيّن أن حق تقرير المصير، كما استقرّ في فقه القانون الدولي وممارساته، لا يُنتج تلقائيًا حق الانفصال أو اقتطاع الأراضي، بل يُمارَس في جوهره ضمن الدولة القائمة، عبر ضمان الحقوق السياسية والثقافية والمدنية، وبما ينسجم مع مبدأ سلامة الأراضي ووحدة الدول.
وعليه، فإن القضية الكردية، في توصيفها القانوني السليم، هي قضية حقوق مواطنة مشروعة داخل دولة ذات سيادة، لا قضية ملكية أرض ولا مشروع تقسيم إقليمي.
كما يُبرز البحث أن الحفاظ على الوحدة الوطنية السورية يشكّل الإطار القانوني والواقعي الأضمن لحماية حقوق جميع المكوّنات، وفي مقدمتها المكوّن الكردي، ويُغلق في الوقت ذاته الطريق أمام التنظيمات المسلحة التي تسعى إلى توظيف هذه الحقوق أو الزجّ بالأكراد في مسارات صراع وفتنة، تحت شعارات الحماية أو التمثيل القسري. فالقانون الدولي لا يمنح شرعية للعنف، ولا يعترف بتمثيل يُفرض بقوة السلاح، بل يُرسّخ مبدأ الدولة الجامعة التي تحتضن تنوّعها وتحميه ضمن نظام قانوني واحد.
وبذلك، فإن تثبيت حقوق الأكراد، كما حقوق سائر السوريين، لا يتحقق عبر فرض الأمر الواقع أو المشاريع الانفصالية، بل من خلال دولة موحّدة، سيدة على كامل أراضيها، قادرة على معالجة مظالم الماضي ضمن إطار المواطنة المتساوية وسيادة القانون، بما يصون وحدة سورية ويحول دون تحويل التنوّع إلى أداة تفكيك أو نزاع دائم.