خاص بوابة بيروت

كاتب وناشط سياسي
حين يقرأ اللبناني عنوانًا يقول إن دولة قطر تبرعت للبنان بمبلغ 40 مليون دولار لدعم قطاع الكهرباء، لا يسعه إلا أن يشعر بالفرح والامتنان. فالشكر واجب لدولة وقفت إلى جانب لبنان في أصعب الظروف، وقدّمت دعمها من دون مقابل، في وقت تخلّى فيه كثيرون عن هذا البلد المنهك.
لكن، ما إن نفتح ملف الكهرباء، حتى تتزاحم الأسئلة الثقيلة: أين ذهبت مليارات الدولارات التي أُنفقت على هذا القطاع طوال العقود الماضية؟ من يحاسب من تولّى وزارة الطاقة ومن أدار هذا الملف؟ وأين الدولة من أكبر عملية هدر ممنهجة شهدها أي قطاع عام في لبنان؟
منذ نشأة قطاع الكهرباء، وُضعت الخطط وبُنيت السدود وصُرفت الأموال، لكن النتيجة واحدة: عتمة دائمة، وهدر غير مسبوق، وقطاع تحكمه مافيا المولدات حتى يومنا هذا. هذا القطاع ابتلع من خزينة الدولة، ومن جيوب المواطنين، أموالًا تفوق المئة مليار دولار إذا ما احتسبنا ما أنفقته الدولة رسميًا، وما دفعه المواطنون لأصحاب المولدات والاشتراكات على مدى سنوات.
المواطن اللبناني دفع الثمن مضاعفًا: من لم يمتلك مولدًا خاصًا اضطر للاشتراك عند أصحاب المولدات. ومن لم يحتمل فاتورة الاشتراك، لجأ إلى الطاقة الشمسية من ماله الخاص.
وهكذا تحوّل لبنان إلى واحد من البلدان القليلة التي استثمر شعبها، من دخلها المحدود، في إنتاج الكهرباء بدل أن تقوم الدولة بواجبها.
اليوم، نحن أمام بلد يدفع فيه المواطن فاتورة الكهرباء مرتين، وفاتورة المياه ثلاثة أضعاف، بسبب الهدر والسرقات وسوء الإدارة. بلد وُصف من قبل المبعوث الأميركي توم براك بـ«الدولة الفاشلة» نتيجة سياسات الفساد والهدر، من دون أن نرى قاضيًا واحدًا يحاسب أو مسؤولًا واحدًا يُسأل عمّا ارتُكب بحق المال العام.
إن شكر دولة قطر على دعمها واجب، لكن الأوجب هو فتح ملف الكهرباء كاملًا، بلا خطوط حمراء، ومحاسبة كل من تعاقب على هذا القطاع وأهدر أموال الدولة والمواطنين. فالدعم الخارجي، مهما كان كريمًا، لا يمكن أن يعوّض غياب الدولة، ولا أن يغطي على فسادٍ مستمر بلا محاسبة.