بقلم آية يوسف المسلماني
في ظل التصريحات المتصاعدة، والرسائل السياسية والأمنية المتبادلة على أكثر من مستوى، لم يعد الحديث عن احتمال العدوان على لبنان مجرّد سيناريو افتراضي أو مادة إعلامية عابرة.
فالمشهد الإقليمي، وما يرافقه من تهديدات إسرائيلية_أميركية مباشرة وغير مباشرة، يفرض على الدولة اللبنانية، وعلى سلطاتها المحلية تحديداً، الانتقال من منطق الانتظار إلى منطق الجهوزية الفعلية.
المفارقة الخطيرة أنّ هذا الانتقال لم يحصل حتى الآن، لا على المستوى المركزي، ولا على مستوى البلديات، وفي مقدّمها بلدية صيدا، المدينة التي تُعدّ تاريخياً ملاذاً طبيعياً في حالات النزوح من الجنوب، ومحطة أساسية لأي حركة سكانية قسرية في حال حصول عدوان أو توسّع المواجهة.
فالسؤال البديهي الذي يفرض نفسه اليوم: أين لجنة الطوارئ في مدينة صيدا؟وأين لجنة الكوارث؟
رغم وضوح المخاطر، ورغم الكلام العلني عن احتمالات الحرب، ورغم التجارب السابقة التي أثبتت أنّ صيدا تتحمّل أعباء تفوق قدرتها في كل أزمة وطنية، لم تُسجَّل أي دعوة رسمية لاجتماع طارئ، ولم يُعلن عن خطة واضحة، ولم تُفعَّل اللجان المفترض أن تكون جاهزة منذ زمن السلم، لا أن تُستدعى بعد وقوع الكارثة.
إنّ تفعيل لجنة الطوارئ ولجنة الكوارث ليس خياراً سياسياً ولا موقفاً دعائياً، ولا خطوة شعبوية.
إنّه واجب قانوني وأخلاقي يقع مباشرة على عاتق رئيس البلدية والمجلس البلدي، وهو جزء لا يتجزّأ من مسؤولية حماية المدينة وسكّانها والمقيمين فيها، وكل من قد يلجأ إليها هرباً من نيران العدوان.
ومن المثير للاستغراب بل للاستنكار، أنّ بعض المسؤولين ما زالوا يختبئون خلف حجّة واهية مفادها أنّ تفعيل لجان الطوارئ والكوارث قد يسبّب الهلع بين المواطنين.
هذا المنطق لا يعكس حرصاً على الناس، بل يكشف عجزاً عن إدارة الأزمات، وسوء فهم فادح لمعنى الجهوزية والمسؤولية العامة.
فالهلع لا ينتج عن التخطيط، بل عن الفوضى، ولا يولد من الشفافية، بل من الصمت والإنكار.
إنّ تفعيل لجان الطوارئ لا يعني إطلاق صافرات إنذار، ولا استنفاراً إعلامياً أو شعبوياً، بل يعني اجتماعات فورية، توزيع أدوار، إعداد خطط إيواء ونزوح، تأمين تنسيق صحي وإغاثي، ووضع سيناريوهات واضحة لما قد تواجهه المدينة.
أمّا الهروب من هذه المسؤوليات بحجّة “عدم إثارة القلق”، فهو استخفاف بعقول المواطنين، وتخلٍّ صريح عن الواجب البلدي في لحظة وطنية دقيقة.
فالخطورة لا تكمن فقط في الاعتداءات أو المواجهة العسكرية، بل في الفوضى التي قد تنتج عنها: نزوح واسع من الجنوب، ضغط على البنية التحتية، اكتظاظ سكاني، نقص في الخدمات، ارتباك أمني وصحي، وغياب التنسيق بين الجهات المعنية.
وكل ذلك يمكن التخفيف من حدّته، إن لم نقل منعه، لو وُجدت إدارة محلية تقوم بدورها الاستباقي.
إنّ الصمت البلدي في هذه المرحلة ليس حياداً، بل تقصير. وغياب المبادرة ليس حكمة، بل تهرّب من المسؤولية.
صيدا لا تحتاج إلى بيانات إنشائية بعد وقوع الحدث، ولا إلى تبريرات جاهزة عن ضعف الإمكانات. ما تحتاجه اليوم هو قرار فوري بدعوة المجلس البلدي إلى اجتماع طارئ، وإعلان واضح عن تفعيل لجان الطوارئ والكوارث، ووضع خطة شفافة تُطلع المواطنين على الحدّ الأدنى من إجراءات الحماية والتنظيم.
لأن أي اعتداء إن وقع، لن يسأل عن الانقسامات السياسية، ولن ينتظر اكتمال الحسابات. وأي تقصير بعد اليوم، لن يُصنَّف في خانة الإهمال، بل في خانة المسؤولية المباشرة عن تعريض مدينة بأكملها للخطر.
صيدا تستحق إدارة تحميها قبل الكارثة، لا سلطة تتحرّك بعد فوات الأوان.