بقلم داود رمال
يتقدم التصعيد الإسرائيلي الأخير ضد لبنان بوصفه حلقة جديدة في مسار ضاغط يختبر حدود الاستقرار المتلاشي، ويدفع بيروت مجددا إلى ساحة الأمم المتحدة لتسجيل الاعتراض السياسي والقانوني في مواجهة وقائع ميدانية تتسع رقعتها وتتكرر وتيرتها. فبعد أسابيع من الغارات المتقطعة، شهد الجنوب والشرق موجات قصف مكثفة ومتلاحقة، ليلا ونهارا، عكست انتقالا واضحا من منطق الخرق اليومي إلى منطق الضغط بالنار، في توقيت إقليمي شديد الخطورة.
وقال مصدر وزاري لـ «الأنباء»: «لجوء لبنان مجددا إلى مجلس الأمن يعتبر خطوة محسوبة فرضها حجم التصعيد الإسرائيلي الأخير واتساع رقعة الاستهدافات. والشكوى التي قدمت عبر بعثة لبنان الدائمة في نيويورك، تهدف إلى تثبيت الوقائع قانونيا ووضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته، من خلال إصدارها كوثيقة رسمية وتعميمها على الدول الأعضاء».
وأضاف المصدر «تكمن أهمية الشكوى في اعتمادها على توثيق رقمي مفصل للخروقات الإسرائيلية خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، اذ جرى إحصاء أكثر من ألفي خرق خلال فترة زمنية قصيرة، ما يعكس نمطا تصاعديا لا يمكن التعامل معه كحوادث معزولة، وهذا التوثيق بالأرقام يحول الملف من توصيف سياسي عام إلى ملف قانوني متكامل يستند إلى معطيات دقيقة قابلة للبناء عليها في المحافل الدولية».
وأكد المصدر أن «هذه الخروقات تشكل انتهاكا مباشرا للسيادة اللبنانية ووحدة الأراضي، ومخالفة صريحة للمرجعيات الدولية الناظمة للوضع في الجنوب، وفي مقدمها القرار 1701 وإعلان وقف الأعمال العدائية. كما أن الشكوى تضمنت مطالب واضحة تبدأ بإلزام إسرائيل بالانسحاب من النقاط التي لاتزال تحتلها داخل الأراضي اللبنانية، والعودة إلى ما وراء الحدود المعترف بها دوليا، وصولا إلى وقف الاعتداءات المتكررة ووضع حد لاستهداف المدنيين وقوات الطوارئ الدولية المؤقتة العاملة في جنوب لبنان».
ولفت المصدر إلى أن «التحرك الأممي يتقاطع مع مسار ديبلوماسي نشط تقوده بيروت للحفاظ على الاستقرار، لاسيما عبر التواصل مع الدول المؤثرة المعنية بملف الجنوب ولجنة الميكانيزم. وهذا المسار يهدف إلى منع تفريغ القرارات الدولية من مضمونها، والتأكيد أن الاستقرار لا يمكن أن يبنى على استمرار الخروقات أو على إدارة الأزمة بدلا من معالجتها».
وشدد المصدر على «أن لبنان، في موازاة مطالبته المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته، يحرص على إبراز التزامه الكامل بتعهداته، ولاسيما ما يتصل بحصرية السلاح بيد الدولة وتنفيذ الخطة التي وضعها الجيش اللبناني، وأن المرحلة الأولى من هذه الخطة نفذت عبر بسط سلطة الدولة جنوب الليطاني، باستثناء النقاط التي لاتزال تحت الاحتلال الإسرائيلي، على أن تستكمل تدريجيا في سائر المناطق اللبنانية».
وذكر المصدر أن «رسالة لبنان إلى مجلس الأمن واضحة لجهة انه لا يمكن فصل التصعيد الإسرائيلي عن تقويض الاستقرار، ولا يمكن تحميل لبنان تبعات خروقات موثقة بالأرقام، في وقت يلتزم فيه بما عليه سياسيا وأمنيا، والاختبار الحقيقي يكمن في قدرة المجتمع الدولي على الانتقال من الاكتفاء بالتلقي والتسجيل إلى ممارسة ضغط فعلي يفرض احترام القرارات الدولية ويمنع انزلاق الوضع نحو مزيد من التوتر المفتوح».