‎رحلت إليسار في عمر الربيع… وأبكت الفيحاء في شتاء عاصف

خاص بوابة بيروت

‎لم تكن اليسار مجرّد اسمٍ عابر في سجلات الحياة، بل كانت حكاية مدينةٍ بأكملها، ووجع وطنٍ ينهشه الإهمال. كانت اليسار تلك الممرضة التي اختارت أن تكون يدًا حانية في مدينة طرابلس الفيحاء، تعمل في حقلٍ لا يعرف الراحة، حقل مساعدة المرضى، حيث الألم يوميّ، والتضحية واجب، والإنسانية امتحان لا ينتهي.

‎كانت تخرج كل صباح حاملةً قلبها قبل حقيبتها، تمضي إلى عملها بحثًا عن رزقٍ يحفظ كرامتها، تعين أهلها، وتداوي جراح من قصدها طلبًا للعون. لم تكن تمنّ، ولم تشتكِ، بل كانت ترى في تعبها رسالة، وفي ألمها شرف المحاولة، فكانت مثالًا للصبر في زمنٍ شحّت فيه الرحمة.

‎واجهت الفقر وجهًا لوجه، فلم ينحنِ أمامها، ولم يترك لها متّسعًا للراحة، بل لاحقها حتى مضجعها، حتى منزلها الذي بات مهدّدًا بالانهيار، متشقق الجدران، هشّ الأساسات، كحال وطنٍ تشقّق وجدانه ومات ضميره. ومع ذلك، بقي ذاك المنزل الملاذ الأخير، الخطر الوحيد الذي قبلت به أسرةٌ لا تعرف سوى العزة، أسرةٌ آثرت الموت بين جدرانها على الذل في رحمة الآخرين.

‎كانت اليسار تمشي كل يوم على حافة الخوف، تنام في بيتٍ قد لا تصحو منه، لكنها لم تتراجع. لم تطلب شفقة، ولم ترفع صوتها، بل رفعت رأسها فقط ومضت، مؤمنة بأن الكرامة لا تُساوَم، ولو كان الثمن العمر.

‎اليسار ليست حالة فردية، بل صورة تختصر وجع آلاف الأسر المنهكة، من جنوب لبنان إلى بقاعه وجبله وشماله. هي ضمير كل فتاةٍ داهمها الفقر بفعل سياسات الإهمال وقلة الموارد، فحملت العبء وحدها، وسارت رغم الانكسار، في وطنٍ لا يلتفت إلى أبنائه إلا بعد فوات الأوان.

‎اليوم، نودّع اليسار، ونودّع معها كل ضميرٍ حيّ في طرابلس الفيحاء، ونحاسب، ولو بصمت، كل ضميرٍ غافل، وكل إهمالٍ قاتل، وكل ثريّ غضّ النظر، وكل تقصيرٍ لم يُبلّغ عنه، حتى أصبح الموت قدرًا محتومًا لأسرةٍ لم تختر الفقر، بل اختارها الفقر.

‎اليسار، كغيرها، نسيها القدر، لكن وجع العمر لم ينسَها. رحلت في عمر الربيع، وبكتها المدينة في عزّ الشتاء.

اخترنا لك