هل كان على علاقة بالـ “#CIA”؟
–
بقلم نبيل يوسف
عصر 22 كانون الثاني 1979 تمكن الموساد الإسرائيلي وبعد عدة محاولات فاشلة من الوصول إلى أبو حسن سلامة، أحد أهم القادة الفلسطينيين، فقتلوه بتفجير سيارة مفخخة لدى مرور موكبه في بيروت الغربية.
كان ذلك النهار يومًا غائمًا، وكان مقررًا أن يغادر أبو حسن سلامة إلى دمشق للمشاركة في اجتماع المجلس الوطني الفلسطيني: ترك منزله وجلس على المقعد الخلفي في سيارته “الشيفروليه” وتبعته سيارة “لاند روفر” تقل مرافقيه.
على بعد حوالى كيلومتر واحد، انعطف موكبه من “شارع فردان” نحو شارع “مدام كوري” وعلى شرفة الطابق الثامن من أحد مباني الشارع، كانت تنتظر العميلة الإسرائيلية “اريكا جمبرز”، وفيما موكب أبو حسن يتقدم ببطء بسبب زحمة سير، وما إن وصلت سيارة “الشيفروليه” قبالة سيارة “فولز فاكن” زرقاء مركونة إلى جانب الطريق، حتى ضغطت العميلة الإسرائيلية على زر التفجير، فانفجرت سيارة “الفولز فاكن” المفخخة وغطت ألسن النار الشارع.
بحسب رواية شهود أن أبو حسن سلامة نزل من سيارته ومشى بضع خطوات ليقع على الأرض مضرجًا بدمائه، فحملوه إلى مستشفى الجامعة الأميركية القريب، وكان أبو داوود المسؤول الفعلي عن “عملية ميونخ” من أول الواصلين إلى الموقع بحيث أن منزله كان قريبًا.
بذل الأطباء جهودًا جبارة في محاولة لإنقاذ أبو حسن، ولكن كان هناك شظية استقرت في دماغه أودت بحياته.
عصر اليوم التالي، سار قرابة 30 ألف شخص خلف نعش أبو حسن سلامة إلى المقبرة، وشارك ياسر عرفات وقادة منظمة التحرير الفلسطينية في حمل النعش، وشكل وصول الشيخ بشير الجميل للتعزية مفاجأة غير متوقعة، وفي اللحظة التي أنزل أبو حسن إلى المقبرة، صرخ أبو عمار والدموع في عينيه: “إننا ندفن شهيدًا وسنمضي في طريق النضال إلى فلسطين، وداعًا يا بطلي”.
كان يقف إلى جانبه حسن ابن أبو حسن سلامة البالغ من العمر 13 سنة وعلى رأسه “بيريه” فتح ولف حول رقبته الكوفية الفلسطينية وفي يده رشاش كلاشينكوف.
كيف وصل الموساد إلى أبو حسن سلامة الملقب بـ “الأمير الأحمر”؟
يقول مسؤول يساري سابق: كانت بيروت الغربية وقتها أشبه بغابة فيها عشرات التنظيمات المسلحة اللبنانية والعربية ومرتزقة من كل دول العالم، وأموال تدفع لكل من يطلب.
كثر حذروا أبو حسن سلامة من أن الموساد سيغتاله وكان أبرزهم بشير الجميل الذي أرسل له أكثر من تحذير، وآخرها كان قبل لحظات من انطلاق موكبه من منزله للمرة الأخيرة، حيث وصل صديق مشترك يدعى جمال ومعه رسالة تقول إن تنفيذ اغتياله سيتم في اليوم التالي أو الذي يليه وكي لا يتأخر عن موعده، طلب أبو حسن من مرافقه النزول من السيارة ليجلس مكانه جمال، فكان أن نجا المرافق وقتل جمال في الانفجار.
كما نقل له اللبناني مصطفى الزين الذي كان صلة الوصل بينه وبين الاستخبارات الأميركية، أكثر من تحذير بوجوب ترك منطقة الحمرا في بيروت، حيث منظر الأجانب أمر مألوف والانتقال إلى مكان أكثر أمانًا فالأفضل السكن في أحد المخيمات أو أي منطقة خارج الحمرا ومحيطها، لكنه لم يقبل.
أسفرت عملية الاغتيال عن مقتل أبو حسن سلامة وجمال و4 من مرافقيه و4 أشخاص صودف وجودهم هناك فيما أصيب 18 شخصًا بجروح.
لماذا قتلت اسرائيل أبو حسن سلامة؟ هل ردًا على عملية ميونخ، أم لقطع خط الاتصال الوحيد يومها ما بين منظمة التحرير الفلسطينية والولايات المتحدة؟
بعد دفن أبو حسن سلامة، قال عرفات بمرارة لمصطفى الزين صديق أبو حسن سلامة: “إن أصدقاءك (الأميركيين) لم يستطيعوا حماية ابني، لقد أعطيتهم أهم ما لدي، أعطيتهم يدي اليمنى، كيف يمكن أن يحصل هذا؟”.
في كتاب “الجاسوس النبيل” للكاتب كاي بيرد ترجمة الدكتور محمد جياد الأزرقي الذي يروي قصة حياة الجاسوس الأميركي روبرت آيمس ومقتله في تفجير السفارة الأميركية في بيروت عام 1983 مع 7 ضباط آخرين في الـ “سي آي إي”، كاشفًا أسرار 30 سنة من العمل الاستخباري الأميركي في الشرق الأوسط، من أول قناة اتصال بين الأميركيين ومنظمة التحرير الفلسطينية التي كانت نواة عملية السلام.
في الكتاب جزء مهم ورئيسي حول علاقة روبرت آيمس بأبو حسن سلامة “الأمير الأحمر”، كما كانت تسميه الاستخبارات الإسرائيلية، فآيمس لم يكن جاسوسًا عاديًا، بل أمضى معظم سنوات عمله في الشرق الأوسط وتكلم العربية بطلاقة وأصبح من الأصدقاء المقربين لأبو حسن سلامة وللفلسطينيين، ما أدى إلى اتهامه بالتعاطف معهم على حساب مهنته. ووصل إلى رتبة عالية في جهاز الاستخبارات الأميركية، وكان الرئيس الأميركي وأركان البيت الأبيض يستمعون إلى نصحه حول الشرق الأوسط، كما لعب دورًا في إعداد مبادرة الرئيس رونالد ريغان للسلام.
بدأت قصة آيمس مع أبو حسن سلامة، عندما قام مصطفى الزين صديق آيمس بتقديمه إلى سلامة في عملية تعارف استخباراتي تذكر بالقصص البوليسية المشوقة، أقنع آيمس الزين الذي كان يطلق عليه اسم “النبي” بأن الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون شخصيًا أعطى موافقته على فتح قناة اتصال مع منظمة التحرير لكي يقنعه بتعريفه بسلامة.
الموعد الأول بين آيمس وسلامة كان بواسطة الزين في مقهى “ستراند” في شارع الحمراء في بيروت، وهكذا بدأت عملية استغرقت سنوات وعاشت عمرًا تخطى حياة أبو حسن سلامة ولا تزال حتى اليوم، وتعرف بعملية السلام.
أصبح أبو حسن سلامة مصدر معلومات رئيسي لـ “سي آي إي” حول المنطقة، خصوصًا كقناة اتصال مع عرفات الذي كان سلامة يطلعه على كل تحركاته.
حاول آيمس التأثير في سلامة لكي تتحول منظمة التحرير إلى حزب سياسي وليس منظمة فدائيين، كما حاول سلامة التأثير في واشنطن من خلال آيمس ليقنعها أن من غير الواقعي تجاهل القضية الفلسطينية، وينقل الكاتب عن ضابط في الـ “سي آي إي”، أن طموح سلامة كان أن يحول القناة السرية إلى علاقة ديبلوماسية حقيقية وأن تتطور العلاقة إلى اعتراف أميركي بمنظمة التحرير الفلسطينية.
كان أبو حسن سلامة يؤمن، أن نضال منظمة التحرير سينتهي إلى طاولة المفاوضات، وبحسب ما نقل الزين عنه قوله: يجب أن تُحل بتسوية سياسية عادلة بيننا وبين الإسرائيليين.
من خلال أبو حسن سلامة ضمنت الولايات المتحدة الأميركية حماية السفارة والمصالح الأميركية في لبنان، لكن لم تستطع الـ”سي آي أي” تجنيد أبو حسن سلامة وأن تضعه على قائمة عملائها في المنطقة.
حاولت المخابرات الأميركية تجنيد “الأمير الأحمر” في لقاء معه في روما، فعرضوا عليه مبلغ 300 ألف دولار أميركي شهريًا للعمل معهم لكنه رفض، وفي ذلك اللقاء عرضوا عليه مبلغ 35 مليون دولار سنويًا لتمويل منظمة التحرير والفلسطينيين في الشتات، فكان رد أبو حسن أنه مضطر لأخذ موافقة أبو عمار الذي رفض العرض.
كما كانت هناك محاولة أخرى لتجنيده بعد عملية ميونيخ عندما قدم له أحد مسؤولي “سي آي أي” شيكًا على بياض وطلب منه كتابة الرقم الذي يريد، لكن سلامة غضب ورمى الشيك على الطاولة وغادر اللقاء معتبرًا ما جرى إهانة “وأنه لا يمكن أن يكون عميلاً لأحد وليس فقط للأميركيين”، ونقل عنه قوله: “لا أحد في هذا العالم يمكن أن يعطيني شيئًا لا تعطيني إياه ثورتنا”.
بقيت قناة الاتصال بين أبو حسن سلامة والأميركيين سرًا لم تعرفه حتى اسرائيل، إلى أن خاف كيسنجر من نتائج التعامل سرًا مع منظمة التحرير الفلسطينية، فأطلع الملك حسين والرئيس السادات وقادة عربًا آخرين وأخبر سفير إسرائيل في واشنطن.
يقول الكاتب إن الإسرائيليين “صدموا وسوف يقومون بكل شيء لكي يمنعوا محادثات جديدة بين أميركا ومنظمة التحرير الفلسطينية”، واعتبروا أنها خطوة أولى للاعتراف بالمنظمة، واحتج الموساد رسميًا لـدى “سي آي أي” وطالب بالغاء اتفاق عدم الاعتداء فرفض الأميركيون، وكان الموساد لا يزال يحاول اصطياد أبو حسن سلامة منذ عملية ميونيخ بعدما اتهمه بأنه كان وراءها.
منتصف 1،973 رأى عرفات أن القناة التي بدأها سلامة وآيمس وصلت إلى قيادة الـ “سي آي أي” وإلى البيت الأبيض ووفرت إمكانية وفرصة الحصول على الاعتراف الأميركي بالمنظمة وبحق تقرير المصير الفلسطيني والدولة.
انتجت علاقة آيمس بسلامة 3 زيارات إلى أميركا كان آخرها في كانون الأول 1978، قبل نحو شهر من اغتياله، وعقد في تلك الزيارات سلسلة اجتماعات بينه وبين الـ “سي آي أي” في واشنطن وأماكن أخرى في الولايات المتحدة.
أخذت قناة أبو حسن سلامة – آيمس تثمر، فعندما ذكر الرئيس كارتر عام 1977 كلمة “وطن للاجئين الفلسطينيين” كانت المرة الأولى التي يستخدم فيها رئيس أميركي هذه الكلمات.
يقول الكاتب إن سلامة أخبر آيمس أن جماعته سعداء بكلمات الرئيس الأميركي، وتحدث لآيمس فرحًا عن “المنزل الذي سوف يبنيه لنا إلى جانب منزله في القدس”، وقال له: “سنعود إلى فلسطين مهما طال الزمن”.
يرصد الكتاب بدء تحوّل منظمة التحرير تدريجيًا في أواخر عام 1974 من الكفاح المسلّح إلى حركة سياسية تحررية تسعى للحصول على الشرعية الدولية. وكان تتويج ذلك زيارة ياسر عرفات إلى الأمم المتحدة، التي فاوض أبو حسن سلامة الأميركيين حول تفاصيلها، بما فيها إصرار الأميركيين، على أنه لا يمكن أن يحمل عرفات مسدسه في الجمعية العامة للأمم المتحدة والتي انتهت بأن يحتفظ عرفات ببيت المسدس على خصره من دون المسدس.
بعد اندلاع الحرب في لبنان ربيع 1975 جرى النقاش داخل الـ “سي آي أي” حول ما إذا كان يجب حماية أبو حسن من الموساد أم لا، في ضوء رفضه أن يصبح عميلًا لديه حصانة وإصرار الموساد على قتله.
يقول الكاتب إنه “عام 1978 اقترب مسؤول في الموساد من مسؤول كبير في الـ “سي آي إي” وسأله عما إذا كان سلامة يعمل مع “سي آي أي”، لكن المسؤول الأميركي لم يجب على السؤال ومشى.
بعدها، عقد اجتماع لـ “سي آي أي” جرى فيه نقاش حول الموضوع، وقرروا في النهاية أن لا يجيبوا على سؤال الإسرائيليين، لأن لا جواب هو أفضل من نعم أو لا”.
يضيف الكاتب أن عددًا من ضباط الوكالة اعتبروا ذلك غلطة كبيرة، وقال أحدهم: “لا جواب هو جواب”، ورأى بعضهم أنه كان يجب علينا حماية سلامة ومنع قتله.
عندما عرف آيمس بسؤال الإسرائيليين أرسل تحذيرًا لسلامة وطلب من رئيسه في الـ “سي آي إي” أن يرسل رسالة إلى الإسرائيليين تحذرهم ألّا يمسّوا بسلامة، وبحسب الكاتب: “رفض المسؤول ذلك”.
وجرى حديث داخل الوكالة عن إرسال سيارة مصفحة لسلامة وإرسال بعض آلات التشفير للاتصال بالوكالة وتحسين أمنه، لكنها وصلت بعد اغتياله.
يقول الكاتب إن “الإسرائيليين أصروا على أن سلامة مستهدف منهم، وأنهم سيتركونه حيًا فقط إذا تسلم الموساد معلومات تؤكد أنه يعمل لـ “سي آي أي”، لكن آيمس لم يكن يستطيع أن يعطي هكذا جواب لأن سلامة لم يكن عميلاً لـ “سي آي إي”، بل متعاونًا في بعض القضايا وفي شكل غير رسمي.
حاول آيمس جاهدًا أن يحصل سلامة على إذن من عرفات لكي يخبر الإسرائيليين أنه يعمل للوكالة لئلا يُغتال. فرد سلامة أنه لا يمكن أن يقبل بذلك، فهو لا يعمل في الوكالة، ولأن الاسرائيليين سيعلنون على الملأ أنه عميل للوكالة، فينتهي داخل المنظمة، لقد كان “الأمير الأحمر” في وضع صعب فاختار المخاطرة.
شكل اغتيال أبو حسن سلامة صدمة لدى كل دوائر المخابرات العالمية، فالمخابرات المركزية الأميركية اعتبرت مقتله خسارة كبيرة، وكان هناك رأي فيها يقول إن اغتياله سيضر بالمصالح الإسرائيلية وقتله “كمن يقطع أنفه كي يغيظ وجهه”.
في ندوة عقدت في معهد ويلسون في واشنطن لتقديم كتاب كاي بيرد، قال الكاتب ديفيد أغناطيوس من “واشنطن بوست”: عندما نُقل خبر اغتيال سلامة إلى الرئيس كارتر قيل له: “لقد قُتل صديقنا في بيروت، وتدخل أحد الموجودين قائلًا للرئيس الأميركي: “كان يجب علينا القيام بأي شيء لإبعاد أيدي الاسرائيليين عن سلامة نحن سنتضرر”.
في نفس الندوة، قال بروس رايدال الذي كان مسؤولاً في الـ “سي آي إي”: “اعتبر الإسرائيليون أن علاقة سلامة السرية مع الأميركيين كانت الخطوة الأولى لرؤية عرفات في البيت الأبيض، لقد كانوا يريدونه ميتًا لهذا السبب وحده”.