الذكاء الاصطناعي قوة العصر، كيف صنعت الإمارات موقعها في مستقبل العالم الرقمي

مستقبل يُبنى على الذكاء والإنسان معاً

بقلم غادة المرّ – خاص بوابة بيروت

تقنيّة خارقة، مبهرة وجديدة، تُعدّ أكبر ثورة تكنولوجيّة عرفتها البشريّة منذ ظهور الثورة الصناعيّة، وقد بدأت بالظهور في كل زاوية من زوايا الحياة.

خلال عقد واحد فقط، تغيّرت قواعد اللعبة في العالم بفعل الذكاء الاصطناعي، الذي لم يعد مفهوماً تقنياً بحتاً، بل تحوّل إلى قوّة اقتصاديّة واجتماعيّة وسياسيّة وعسكريّة، أعادت صياغة مفاهيم الحروب، ومنطق الصراعات، وآليّات السيطرة، وتحديد معادلات الهزيمة والانتصار.

الحديث لا يقتصر على آلات أو معلومات مخزّنة، ولا على أنظمة تتعلّم أو برمجيّات تتطوّر فحسب، بل يتناول نظاماً حيويّاً يعيد تعريف العمل والتعليم والأمن والدولة، بل وحتى موقع الإنسان داخل المجتمع.

نظام مرعب بذكائه وقدرته على تخزين التاريخ واسترجاعه وإحيائه، والأهم التحكّم والتنبّؤ بالمستقبل.

تتجلّى قدرته أيضاً في تطوير أنظمة تتعلّم من البيانات، وتتّخذ القرارات، وتتفاعل مع بيئات معقّدة على نحو يشبه البشر.

انطلقت المسيرة من خوارزميّات بسيطة للتحليل، وصولاً إلى نماذج معقّدة قادرة على توليد النصوص والصور والموسيقى، بل وحتى اتّخاذ قرارات مركّبة في قطاعات متعدّدة. ومع انتشار الإنترنت وتوافر البيانات، بات الذكاء الاصطناعي قادراً على تحليل كمّيّات هائلة من المعلومات بسرعة ودقّة وتكلفة أقل من أي وقت مضى.

الرؤية الاستراتيجيّة لدولة الإمارات العربيّة المتّحدة في مجال الذكاء الاصطناعي لم تكن أمراً عابراً، بل جاءت ضمن استراتيجيّة وطنيّة واضحة أدركت أهميّة هذه التكنولوجيا ودورها المحوري في صناعة المستقبل، وحجز موقع متقدّم بين الدول الرائدة في التقدّم والحداثة والتفوّق والقوّة.

استراتيجيّة وطنيّة واضحة

تمكّنت دولة الإمارات من أن تكون من أوائل دول العالم في اعتماد الذكاء الاصطناعي، وأطلقت الاستراتيجيّة الوطنيّة للذكاء الاصطناعي 2031، التي تهدف إلى جعل الدولة في مصاف الدول الرائدة عالمياً في هذا المجال، وترتكز على:

  • جذب المواهب والاستثمارات العالميّة.
  • تطوير الاقتصاد الذكي عبر اعتماد الذكاء الاصطناعي في الخدمات الحكوميّة.
  • خلق بيئة تنظيميّة وبنى تحتيّة داعمة للابتكار.
  • تهيئة القوى العاملة لمستقبل قائم على المهارات الرقميّة.

أولاً، قيادة حكوميّة قويّة

أشاد رئيس الدولة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان بأهميّة توظيف الذكاء الاصطناعي في خدمة الإنسان وتحسين جودة الحياة، مؤكّداً أن هذه التكنولوجيا ستُحدث تحوّلات جذريّة في مختلف مجالات الحياة.

ثانياً، تطوير المواهب والتعليم

وضعت دولة الإمارات برامج تقنيّة وتدريبيّة مكثّفة لتأهيل المواطنين والمقيمين في مجال الذكاء الاصطناعي، شملت التعاون مع مؤسّسات أكاديميّة عالميّة، وتوفير أدوات تعليميّة متقدّمة، من بينها اشتراكات مجانيّة لطلاب الجامعات على منصّات تعليميّة متطوّرة.

دبي، منارة الذكاء الاصطناعي على الساحة الدوليّة

قيادة تطبيقيّة عالميّة

أصبحت دبي من أبرز المدن العالميّة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي على مستوى الحكومة والخدمات العامّة، لا سيّما في قطاعات الصحّة، والتخطيط الهندسي، والتجارة، والإدارة الحكوميّة.

مشاريع رائدة في التحوّل الذكي

تسير دبي وفق خطط استراتيجيّة طموحة لجعل المدينة أكثر تطوّراً وسرعة من خلال:

  • تدريب موظّفي الحكومة على التقنيّات الذكيّة.
  • إطلاق مختبرات بحثيّة وشراكات مع كبرى شركات التكنولوجيا.
  • استقطاب الشركات الناشئة المتخصّصة في الذكاء الاصطناعي، واحتضان ابتكارات مجتمعيّة متقدّمة.

مستقبل الذكاء الاصطناعي في المجتمع الإماراتي

أولاً، الاقتصاد الرقمي : من المتوقّع أن يسهم الذكاء الاصطناعي في تعزيز الاقتصاد الرقمي لدولة الإمارات بشكل كبير، ليس فقط عبر خلق فرص عمل جديدة، بل أيضاً من خلال تحسين جودة الخدمات الاقتصاديّة والاجتماعيّة للمواطنين والمقيمين.

ثانياً، المجتمع والمهارات : يرجّح أن يصبح الذكاء الاصطناعي شريكاً أساسياً في عمليّتي التعليم والعمل اليومي، ما يفرض الحاجة إلى برامج تدريب مستمرّة لتأهيل الأجيال القادمة.

ثالثاً، القوانين والأخلاق : سيلعب الذكاء الاصطناعي دوراً حاسماً في تنظيم الحياة الرقميّة، الأمر الذي يستدعي من صنّاع القرار في الإمارات وضع أطر قانونيّة وأخلاقيّة صارمة لحماية الحقوق والخصوصيّة.

بين الفرص والمسؤوليّات، يقف العالم اليوم عند مفترق طرق. فالذكاء الاصطناعي ليس مجرّد تقنية، بل قوّة تغيير شاملة قادرة على رفع جودة الحياة، وتعزيز النمو الاقتصادي، وإعادة رسم خرائط النفوذ العالمي. غير أنّه في الوقت نفسه يمثّل تحدّياً يتطلّب حكمة في القرار، وصرامة في التنظيم، ووعياً في الاستخدام. وككل اختراع، يحمل الذكاء الاصطناعي جوانب إيجابيّة وأخرى سلبيّة، ما يستوجب الحرص على عدم توظيفه في الشر، أو في تطوير السلاح، أو تدمير البيئة، أو توسيع رقعة البطالة، أو تفكيك المجتمعات الإنسانيّة.

مستقبل الذكاء الاصطناعي، عالمياً وفي المجتمع الإماراتي على وجه الخصوص، لا يَعِد فقط بتحسين الخدمات، بل بصياغة مجتمعات واعية، واقتصاد مزدهر، وجمهور مستعدّ للمستقبل. مستقبل يُبنى على الذكاء والإنسان معاً.

اخترنا لك