القيادة الرقمية الإماراتية : الذكاء الاصطناعي كخيار استراتيجي لا كمجرد تفوق تقني

خاص بوابة بيروت

تتبوأ دولة الإمارات العربية المتحدة موقعًا رياديًا في مجال الذكاء الاصطناعي على المستويين الإقليمي والعالمي، إذ احتلت المركز التاسع عالميًا في محور المرونة المدعومة بالذكاء الاصطناعي وفق مؤشر الثورة الصناعية الخامسة.

وتستند هذه الريادة إلى خطة استراتيجية متكاملة انطلقت منذ عام 2017، تستهدف تحويل 100% من الخدمات الحكومية إلى خدمات ذكية بحلول عام 2031، على أن يسهم الذكاء الاصطناعي بنسبة 20% من الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي.

ومع تسارع وتيرة التطور، تبرز تحديات تتعلق بسوء استخدام التقنية، وفجوات المهارات، والمخاوف الأخلاقية، حيث أبدى 48% من الشركات الإماراتية قلقًا من الاعتماد الزائد للموظفين على الذكاء الاصطناعي. تقدم هذه الدراسة تحليلًا شاملًا لمسار التحول الرقمي في الإمارات، مع مقارنات بالسياقين العربي والعالمي، وتوصيات لتعظيم الفوائد وتخفيف المخاطر.

في سباق الزمن التكنولوجي

في خضم السباق العالمي المحموم نحو توطين وتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي، تبرز دولة الإمارات العربية المتحدة كحالة استثنائية في المنطقة العربية والعالم، بفضل رؤية استباقية واضحة، واستثمارات ضخمة، وبنية تحتية طموحة. ولا تقتصر هذه الرؤية على مجرد تبني التكنولوجيا، بل تمتد إلى صياغة مستقبل يتحول فيه الذكاء الاصطناعي من أداة مساندة إلى محرك أساسي للاقتصاد والمجتمع.

وتهدف هذه الورقة البحثية إلى تحليل المسار الذي اتخذته الإمارات في إدخال الذكاء الاصطناعي، مستعرضة الإنجازات الكبرى والمبادرات الملموسة، مع تسليط الضوء على التحديات والمخاوف التي تواكب هذا التحول السريع، ووضعها في إطار المقارنة مع التوجهات العالمية والتجارب العربية الأخرى، مثل الهند التي شهدت فعاليات كمعرض “Indiansoft 2025”.

1. الإطار الاستراتيجي والرؤية الحكومية

تبنت الإمارات منذ عام 2017 استراتيجية وطنية طموحة للذكاء الاصطناعي تهدف إلى جعل الدولة مركزًا عالميًا في هذا المجال بحلول عام 2031. وتجسدت هذه الرؤية في عدة محاور أساسية:

  • القيادة المؤسسية: تُعد الإمارات أول دولة في العالم تعيّن وزير دولة للذكاء الاصطناعي، ما يعكس أولوية هذا الملف على أعلى المستويات، ويسرّع وتيرة اتخاذ القرارات وتنفيذ المشاريع.
  • الأهداف الاقتصادية: تسعى الاستراتيجية إلى تنويع الاقتصاد والحد من الاعتماد على النفط، حيث يُتوقع أن يسهم الذكاء الاصطناعي بنحو 91 مليار دولار في النمو الاقتصادي، وبما يقارب 20% من الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي بحلول عام 2031.
  • تحول الخدمات الحكومية: تهدف إلى أن تكون أول حكومة في العالم تعتمد بالكامل على الذكاء الاصطناعي في تقديم خدماتها بحلول عام 2027، من خلال الأتمتة والتحول إلى البنية التحتية السحابية السيادية.

2. تحليل التطورات والمبادرات الإيجابية

حققت الإمارات تقدمًا ملموسًا على عدة أصعدة عزز من مكانتها العالمية:

  • الريادة العالمية في المرونة الرقمية: جاءت الإمارات في المركز التاسع عالميًا في محور «المرونة المدعومة بالذكاء الاصطناعي» من بين 92 دولة، متفوقة على المتوسطين العالمي والإقليمي، وذلك في تقييم يقيس قدرة الدول على استخدام التقنيات المتقدمة لبناء اقتصادات مرنة.
  • البنية التحتية الحاسوبية العملاقة: تستثمر الإمارات بشكل ضخم في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، حيث تطور مشروع «Stargate الإمارات»، الذي يُعد أحد أكبر مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في العالم. كما تستعد شركة G42 المحلية لتشغيل مراكز بيانات بقدرة تصل إلى 5 غيغاوات، مع توقع وصول شرائح ذكاء اصطناعي متقدمة من شركات عالمية مثل نفيديا.

تمكين وتأهيل الكوادر البشرية، يُعد الاستثمار في رأس المال البشري ركيزة أساسية، حيث:

  • يستخدم 83% من سكان الإمارات الذكاء الاصطناعي في العمل أسبوعيًا على الأقل، مقارنة بـ61% كمتوسط عالمي.
  • أُطلقت مبادرات لتدريب أكثر من 5,000 موظف في الجهات الحكومية، مثل الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف، على استخدام الذكاء الاصطناعي.
  • أُسست جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي كأول جامعة بحثية متخصصة بالكامل في العالم في هذا المجال.
  • الذكاء الاصطناعي التوليدي وتطبيقات مبتكرة: تشهد الدولة انتشارًا واسعًا للأدوات التوليدية مثل ChatGPT في القطاع التعليمي، حيث يستبدل الطلاب البحث التقليدي بالحصول على توضيحات فورية، ما يعيد تشكيل أساليب التعلم. كما أُطلقت مبادرات إبداعية، مثل تصميم عملة تذكارية باستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي.
  • الاستدامة والطاقة النظيفة: تربط الإمارات بين الذكاء الاصطناعي والتحول الأخضر، وتستثمر في مشاريع الطاقة النظيفة، مثل إنشاء أول محطة في العالم تعمل بالطاقة الشمسية والبطاريات لتوفير 1 جيجاوات من الطاقة المتجددة على مدار الساعة، بهدف دعم مراكز البيانات دون زيادة الانبعاثات.

المقارنة مع السياق العربي

وفقًا لتقرير المنتدى الاقتصادي الدولي، يُتوقع أن يسهم الذكاء الاصطناعي بنحو 320 مليار دولار في الناتج المحلي لدول الشرق الأوسط بحلول عام 2030.

وتبرز دولة الإمارات المتحدة كلاعب متفوق في هذا المجال، مستفيدة من الطبيعة الديموغرافية الشابة، وتسارع التحول الرقمي، والحاجة المتزايدة إلى التنويع الاقتصادي وتعزيز الإنتاجية.

3. التحديات والمخاوف المصاحبة

على الرغم من الإنجازات الكبيرة، يواجه تبني الذكاء الاصطناعي في الإمارات عددًا من التحديات التي تتطلب المعالجة:

  • المخاوف المؤسسية وسوء الاستخدام: كشف تقرير صادر عن شركة «ميرسر مارش بينيفتس» أن 48% من الشركات في الإمارات تعبر عن قلقها إزاء اعتماد الموظفين المفرط على المحتوى المُولَّد بالذكاء الاصطناعي، وثقتهم الكاملة به دون تحقق مناسب. كما أعرب 45% عن قلقهم بشأن ضعف التوافق بين الخطط والميزانيات المخصصة للذكاء الاصطناعي.
  • التأثير على المهارات والقوى العاملة: على الرغم من الجهود التدريبية، يشير التقرير نفسه إلى مخاوف تتعلق بفجوة المكافآت بين الموظفين الحاليين والجدد (47%)، وعدم كفاءة برامج الرفاه المعنوي (42%).
  • التحديات في القطاع التعليمي: بينما يساعد الذكاء الاصطناعي الطلاب في الإمارات على التعلم بسرعة، يعترف المستخدمون أنفسهم بمخاطر الإفراط في الاعتماد عليه، ما قد يؤدي إلى الكسل الفكري ويقلل من أهمية النقاش البشري في العملية التعليمية.
  • التحديات الإقليمية المشتركة: تواجه المنطقة العربية عمومًا تحديات كبرى في مجال الذكاء الاصطناعي، أبرزها فجوة البيانات “نقص مجموعات البيانات العربية عالية الجودة”، وفجوة المهارات المتخصصة، والحاجة إلى أطر تنظيمية وأخلاقية واضحة لضمان الاستخدام المسؤول.

4. التوجهات المستقبلية والتوصيات

استنادًا إلى التحليل السابق، يمكن استشراف عدد من التوجهات المستقبلية وتقديم التوصيات التالية:

  • الاستثمار المتواصل في البنية التحتية والقدرات الحاسوبية، إذ يُعد استكمال مشاريع مثل «Stargate» وتأمين الشرائح المتقدمة أمرًا حيويًا للحفاظ على الصدارة.
  • تعزيز الأطر الأخلاقية والتنظيمية من خلال تطوير وتطبيق لوائح أكثر تفصيلًا لمعالجة قضايا التحيز في الخوارزميات، والخصوصية، والمساءلة في القرارات المتخذة بمساعدة الذكاء الاصطناعي.
  • التعمق في تأهيل الكوادر البشرية، بحيث يتجاوز التدريب المهارات الأساسية إلى تنمية القدرة النقدية في التعامل مع مخرجات الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى المهارات الإدارية والأخلاقية المرتبطة به.
  • التركيز على «الذكاء الاصطناعي العربي» عبر تطوير نماذج لغوية عربية متقدمة وتطبيقات تخدم السياق المحلي، بما يشكل فرصة ذهبية وميزة تنافسية وطنية وإقليمية.
  • تعزيز التعاون الإقليمي، حيث يمكن للإمارات، بحكم ريادتها، أن تلعب دورًا محوريًا في بناء منصات بيانات عربية مشتركة وتوحيد بعض المعايير التنظيمية.

في اختصار، تشكل تجربة دولة الإمارات العربية المتحدة في تبني وتطوير الذكاء الاصطناعي نموذجًا استباقيًا وطموحًا لا يخلو من التعقيدات. فقد نجحت الدولة، من خلال رؤية استراتيجية واضحة واستثمارات غير مسبوقة، في بناء أساس متين يؤهلها لتكون لاعبًا عالميًا مؤثرًا في هذا المجال الحيوي.

غير أن الطريق نحو المستقبل يتطلب موازنة دقيقة بين تسريع التبني التكنولوجي ومعالجة التداعيات الاجتماعية والمهنية والأخلاقية المصاحبة له.

إن قدرة الإمارات على إدارة هذه المعادلة بشكل متوازن، والاستمرار في الاستثمار في العقول والبنى التحتية، مع تعزيز الأطر الحامية، ستحدد مدى تحويل رؤيتها الطموحة إلى واقع مستدام يعود بالنفع على الاقتصاد والمجتمع، ويسهم في قيادة المنطقة العربية نحو مستقبل رقمي واعد.

اخترنا لك