#ساعة_الصفر… حرب أم صفقة؟

ضربة؟ لا ضربة...

بقلم غادة المرّ – خاص بوابة بيروت
@GhadaMurr

بين واشنطن وطهران حرب، تهويل، حصار أم صفقة؟

الّذين يفهمون السياسة، لا يصرخون. القوة اليوم ليست في التنبَؤ بما سيحدث، بل في الاستعداد لكلّ الاحتمالات دون هلع. فالسياسة هي صراع مصالح يلبس ثوب المبادئ.

الشعوب تتصارع على شعارات وأيديولوجيات، جنون حكّام وقضيّة مقدّسة. بينما القرار الحقيقيّ يُصنع بالمال والطاقة والممرَات وموازين القوى.

فالحروب، نادراً ما تبدأ، بالسبب المباشر والمعلن والمكتوب بخطوط عريضة. دائماً الأسباب الحقيقيّة ، تكون مموهة ومكتوبة بخطّ صغير، و هي “نفوذ، ردع، توقيت أو تحجيم وإقصاء”.

والأقسى، أنّ الشعوب غالباً تُستخدم كوقود وضحايا، في الشوارع والجبهات والسّجون لتلك الحروب، بينما النّخب تتفاوض بهدوء خلف السّتار.

إيران والحرب المؤجّلة او الضربة الناعمة

تؤدي إيران ٣ وظائف دولياً، فهي فزّاعة جاهزة لدول الخليج، مبررّ دائم لوجود عسكريّ غربيّ ،ولاعب فوضويّ يمنع الاستقرار النّهائيّ. لهذا تُضرب دون إسقاط، تُعاقبُ دون خنق وتُفاوض دون ثقة.

لهذه الساعة، الحرب على إيران ليست مستبعدة وتترنّح بين ضربات مجتزاه ومحسوبة وغير نهائيّة، وتتجسّد في ضربات وقصف محدود، ضربات سيبرانيْة استخباراتيّة. لم تصل لحدود الحرب الشّاملة واسقاط النّظام، إلاّ اذا خرجت طهران عن الدّور المرسوم لها.

ما يربك الرأي العام ،هو الإعلام ، المصنع الحقيقيّ للوعي المزيّف. وخطره يكمن في أنّه لا يخبرك ماذا وكيف تفكَر، بل بما لا يجب أن تفكر. كيف؟

حين يضخّم حدثاً ويشتت الأنظار ليخفي حدثاً أخطر وحقيقيّ، فيخلق عدوّاً عاطفياً ليمرَر صفقة بارة. فيجعل الضحيَة مادة جدل ، لا قضيّة. والأدهى عندما يضخّ معلومات كثيرة ويدفع لإحداث تشويش مقصود ، وهو المطلوب. وما يحدث الآن حول ضربة إيران، خير دليل. فالناس تعرف كلَ شيء ، لكنَها لا تفهم الاتّجاه العام والصائب، ولا ترى الصورة الحقيقيّة الكبيرة.

فالمنطقة من السابع عشر من تشرين وما تبعه من احداث لم نستوعبها حتى الآن، في خانة إدارة الفوضى بدون حلّها. فالمنطق ولبنان بالتحديد يعيش بزاوية ، اللاحرب نهائية، ال لا دولة قويّة، وال لا حقيقة كاملة. فقط توتر دائم ، خوف مضبوط وشعوب تستنزف نفسياً قبل اقتصادياً.

فالسياسة اليوم ، لا تريدك غبيّاً بل مرهقاً… مرهقاً من كثرة الأخبار وكثرة الأزمات والقضايا. لأن الإنسان المرهق، لا يثور، لا يعترض والأهم لا يبني ولا يفتّش عن الحقيقة المخبّأة.

ما هو الخطّ الأحمر الحقيقيّ للضربة

الخطّ الأحمر الحقيقيّ ، الْذي إذا ما تجاوزته إيران، تقع الضرّبة، هو ما لا نسمعه في الإعلام، ليس تهديدات وليس تصريحات أو تجارب صاروخيَة حتى خرق جزئيّ نوويّ، هو الخطّ الأحمر عنما تكسر طهران التَوازن:

  1. امتلاك طهران لقدرة نوويَة فعليَة لا يمكن تعطيلها، “ليس قنبلة بل قدرة ردع حتميّة”
  2. خروج الأذرع عن السّيطرة المركزيّة، أي أن يصبح الرّد الإقليميّ، غير قابل للضبط، ما يفتح الباب لحرب واسعة في المنطقة.
  3. تغير قواعد اللّعبة في الطّاقة أو الملاحة “كإغلاق مضيق هرمز، أو تهديد دائم لحركة النفط والغاز”.

وهنا تكون الضربة سريعة، مركّزة وعميقة، تهدف لضبط إيقاعها وربما يصل لحدود تغير النّظام. وهنا تتضح الصورة فلا حرب شاملة بل ضربات محسوبة، ومعه يبقى لبنان معلّقاً وإيران مضغوطة والإعلام مشتتاً، ليس لأنّ العالم فوضويّ بل لأنّ الفوضى مدارة.

فالمنطقة تعيش فترة شدّ أعصاب واستنزاف وإبقاء الجميع في حالة ترقّب، لحين نضوج الحلّ، واكتمال الصورة وتقاسم الموارد والنّفوذ والثروات بين اللاعبين الكبار.

متى التوقيت؟

هناك إشارات فبل حدوث الضربة:

  1. تغير اللغة الرسمية: حين تخفت التهديدات وتختفي، يهدأ الخطاب ويصير أقلّ انفعالاً وتقنيَاً، يكون القرار جاهزاً.
  2. تحرّك المال قبل الجيوش: انسحاب استثمارات، ارتفاع تأمين الشحن وتغير مفاجئ بأسعار الطاقة،.
    فالمال يهرب قبل الصَواريخ.
  3. صمت مريب ومقلق من الوسطاء: (عمان وقطر وغيرها من قنوات خلفية تخفت تصريحاتها، لا فشلاً بل تكون نهاية مرحلة.

فالصخب الإعلاميّ والخطابات المتشنّجة والاستعراضات العسكريّة والتسريبات الإعلامية، تكون بالفعل أدوات ضغط وليست قرارات نهائية.

ما يدفع للقلق هو

  • تآكل الخطوط الحمراء الصغيرة، هي حصول ضربة تمرّ بلا ردّ، اغتيال بلا تصعيد، أو اختراق بلا فضيحة. عندها يكون جميع اللاعبين يختبرون السّقف، سقف الردود.
  • تحوّل الجبهات الى أدوات حين تصبح “غزة – جنوب لبنان – اليمن والعراق” مجرّد ساحات استنزاف بلا أفق سياسيّ. هذا مؤشّر أنّ المواجهة مؤجّلة وليست ملغاة.
  • تعب الناس، وهو أخطر عنصر، فالشعوب المرهقة لا تمنع الحروب بل تسهّل تمريرها .

المنطق ومفهوم نشأت الحروب وردود الأفعال وحدوث التغير أو المراوحة تحسم الجواب. يبقى كل ذلك تحليلات وتكهّنات وأمنيات ، لا أحد يمكنه الجزم والتأكيد. القوة اليوم، ليست في التنبّؤ بما سيحصل، بل الانتظار والاستعداد لكلّ الاحتمالات، دون هلع. ويبقى القرار ، قرار الضربة الأولى بيد صنّاع القرار ورهن بالتوقيت ووقوع حادث مفاجئ أو مبادرة لاعب واحد ، قد تغير الصورة وتدفع بالمنطقة لحافة الانفجار.

هل الضربة قريبة؟ هل كلّ تلك الأساطيل والحشود فقط للضغط وفرض الشروط ودفع طهران للمفاوضة وتقديم التنازلات والخضوع؟ المزاج الغربي تبدّل ، ولعلّ إدراج الحرس الثوريّ الإيراني على لائحة الإرهاب، خطوة نحو التغير.

لا شك أن حدثاً مهماً وتغيرات في المنطقة جاري العمل عليها، يبقى التوقيت وحجم الضربة وحدود السقف ،هي الشرارة الحقيقيُة، وأحياناً تخرج عن حدود المنطق والتوقعات و لا شك أن العدّ العكسيّ بدأ… ولطالما كانت الحروب والنزاعات والفوضى خارج إطار التحليلات والمنطق والحقيقة.

الباب مفتوح على شتّى الاحتمالات، قد تحدث الضربة اليوم، أو بعد شهرين ، أم قد لا تحدث…

وحدهم، من يعملون في الخفاء ويتحكُمون بمفاتيح اللعبة والقوة والقرار والتأثير… يعلمون موعد وسقف الضربة وحجمها. وحدهم يملكون ترف الوقت و التوقيت ونهاية كلّ هذا الضجيج.

الضربة حتميَة والتغير قادم فلننتظر …

اخترنا لك