بقلم ميراز الجندي – خاص بوابة بيروت
@MirazJundi

كاتب ومحلل سياسي
هل هذا المشهد السياسي اصبح مألوف؟
لم يعد ما يجري في الحياة السياسية اللبنانية سوء إدارة، ولا تخبّطًا تشريعيًا، بل قرارًا واعيًا بتعليق الدستور عند كل استحقاق.
قانونٌ معجّل مكرّر يُعالج ثغرة انتخابية أساسية يُرمى في الأدراج، فيما يُستخرج على عجل اقتراحٌ أخطر: تمديد ولاية مجلس النواب لنفسه.
المشهد فاضح.
مشروع قانون تقدّمت به الحكومة منذ أشهر لتصحيح آلية اقتراع اللبنانيين غير المقيمين، بما ينسجم مع ما جرى في الانتخابات الأخيرة، ويوحّد المعايير، ويُسقط ذريعة من أبرز ذرائع التأجيل… مُجمَّد، مُهمل، كأنه غير موجود.
لا إدراج على جدول الأعمال، لا نقاش، لا حسم.
في المقابل، يخرج إلى العلن اقتراح قانون معجّل مكرّر لتمديد ولاية المجلس سنة إضافية، أي تعليق الانتخابات النيابية بقرار من السلطة نفسها التي يُفترض أن تُحاسَب عبرها.
هنا، نحن لم نعد أمام خلل تقني، بل أمام انقلاب تشريعي ناعم.
الوكالة الشعبية ليست ملكًا لمجلس النواب.
هي تفويض محدّد بأربع سنوات، لا يومًا أكثر.
وأي تمديد، خارج ظروف قاهرة واستثنائية فعلًا، هو مصادرة صريحة لإرادة الناس، وضرب لمبدأ تداول السلطة، واعتداء مباشر على المهل الدستورية التي تُشكّل من النظام العام.
الأخطر من التمديد نفسه، هو الوقاحة السياسية في تبريرها. فلا حرب، ولا كارثة طبيعية، ولا استحالة تنظيمية.
هناك قانون جاهز، حلّ جاهز، ومخرج دستوري واضح… لكنّه مُعطَّل عمدًا.
ما يعني أن المشكلة ليست في الإمكانات، بل في الإرادة.
وليس في النصوص، بل في النية المبيّتة. فلماذا يُدفن قانون يُفترض أن يفتح الطريق أمام الانتخابات، فيما يُستعجل قانون هدفه الوحيد قتلها؟
الجواب واضح، لأن الاستحقاق يُخيف، والمحاسبة تُرعب، وصناديق الاقتراع أخطر على المنظومة من أي أزمة.
رئيس مجلس النواب، تحديدًا، لم يعد قادرًا على التلطّي خلف الأعراف أو التوازنات. هو اليوم أمام مسؤولية دستورية مباشرة، إما فتح الباب أمام الانتخابات عبر مناقشة قانون الحكومة، وإما تكريس التمديد كخيار دائم، وتحمل تبعات تعليق الدستور عن سابق تصوّر وتصميم.
التجربة اللبنانية لا تترك مجالًا للشك، كلما اقترب استحقاق، لجأت المنظومة إلى التمديد. وكل استثناء مرّ، تحوّل لاحقًا إلى قاعدة. لكن هذه المرة، الكلفة أعلى، شرعية متآكلة، ثقة شعبية معدومة، ومجتمع دولي يراقب ويُدوّن.
التمديد ليس حلًا. التمديد هروب. التمديد اعتراف بالعجز عن مواجهة الناس.
لا يحمي الاستقرار، بل ينسفه. لا يمنع الانهيار، بل يشرعنه. ولا يصون الدستور، بل يعلّقه على قياس مصالح السلطة.
أما قانون الانتخابات، فليس ورقة تفاوض، ولا أداة ابتزاز، ولا منّة من أحد.
هو واجب دستوري، وتأجيله جريمة سياسية موصوفة.
فإذا سُمِح اليوم بتمديد سنة، بأي حجة نمنع تمديدًا آخر غدًا؟ وبأي منطق نطالب الناس بالإيمان بدولةٍ تُعلّق دستورها كلما ضاقت بها صناديق الاقتراع؟
الدستور لا يُدار بالمواربة. والوكالة الشعبية لا تُسرق باسم الضرورة.
والدولة لا تُبنى بالاستثناء الدائم..
اذا تم التمديد لا سمح الله يعتبر ذلك ضربة قاضية لعهد الرئيس جوزيف عون وضرب لخطوات الإصلاح ولبناء الدولة