“الثورة” والنواب الودائع : من نظام الأسد إلى “حزب الله”!

عرف لبنان واللبنانيون، خلال السنوات التي خضع فيها لهيمنة نظام الاستخبارات السوري، مصطلحاً صارخاً في الحياة السياسية: “النواب الودائع”.
فبعد اتفاق الطائف، منذ منتصف التسعينات حتى اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، تعرّض لبنان لاغتصابٍ فعلي للسلطة السياسية على يد جهاز الأمن والاستطلاع السوري، وخصوصاً في مرحلة غازي كنعان ورستم غزالي. في تلك الحقبة، فُرض على اللبنانيين نواب ووزراء لم يكن أحد ليتخيّل وصولهم إلى سدّة المسؤولية، لولا تبعيتهم المطلقة واستزلامهم للنظام الأمني السوري – اللبناني.

كان هؤلاء يقدّمون فروض الولاء، ويتزاحمون إلى عنجر محمّلين بشتى أنواع الرشاوى وما استطاعت أيديهم تقديمه الى “الوالي السوري”، سواء كان “أبو يعرب” أو”أبو عبده”. وقد استمرّ عدد كبير منهم في هذا النهج، وصولاً الى فضيحة الأمير السعودي المزعوم “أبو عمر”.

في عهد الرئيس رفيق الحريري، كان النظام الأمني السوري يفرض إملاءات مباشرة في تشكيل اللوائح الانتخابية، خصوصاً في بيروت وبعض المناطق. وكانت هناك أسماء معروفة على نطاق واسع أنها “ودائع” سورية فُرضت ضمن لوائح الحريري، كما في مناطق عكار والشمال، حيث مُنع من تسمية مرشحين إلا من أولئك المرتهنين بالولاء لعنجر.

استمر هذا الواقع حتى قرّر الحريري رفض تلك الإملاءات قبيل انتخابات عام 2005، فكان اغتياله في 14 شباط من العام نفسه، في جريمة شكّلت نقطة تحوّل مفصلية في تاريخ لبنان الحديث.

غير أن خروج الجيش السوري من لبنان، وفقدانه الهيمنة المباشرة، لم يُنهِ ظاهرة “النواب الودائع”. إذ انتقل هؤلاء إلى ضفة أخرى، هي “حزب الله” الذي مارس سياسة مشابهة عبر دعم أسماء لنواب ووزراء داخل السلطة اللبنانية، ومحاولة اختراق انتفاضات اللبنانيين، وخصوصاً في عامي 2015 و2019.
يومها، أُطلق ما عُرف بـ”مرشحي الثورة”، فوصل عدد منهم إلى الندوة البرلمانية، ليتبيّن لاحقاً أن بعضهم لم يكن سوى أدوات يُحرّكها “حزب الله”. وكان الاختراق كبيراً لثورةٍ نقية فجّرها الفقر والإهمال والحرمان، قبل أن يأتي من يستثمرها لمصالحه الخاصة، متنقّلاً بين مجموعات ثورية مدعياً النضال باسم الشعب !

لم تكن أهداف هذه الشخصيات التغييرية المضللة، سوى تضليل الرأي العام، وتنفيذ مخططات “حزب الله” والمحور الإيراني. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل جرى تضليل المجتمع الدولي أيضاً، والاستفادة من حملات تمويل تحت شعارات مختلفة. ومع مرور الوقت، انكشفت الرواية، وتبيّن من خلال التصريحات والممارسات أن هؤلاء كانوا يضحكون على بيئتهم وعلى الشعب الذي أوصلهم، وعلى الثورة التي تبنتهم، وأنهم لم يكونوا سوى أدوات وصولية بلا مشروع وطني، ولا أي التزام بقضية الثورة التي ادّعوا تمثيلها.

في المحصّلة، لم تكن معركة اللبنانيين يوماً مع أشخاص بقدر ما هي مع منظومة الوصاية التي تتبدّل وجوهها ولا تتغيّر أدواتها. فالنواب “الودائع” لم يكونوا يوماً خيار الناس، بل نتاج أنظمة أمنية تتقن إعادة إنتاج نفسها، من عنجر إلى الضاحية، ومن الوصاية السورية إلى الهيمنة الإيرانية.

وبينما دفعت الثورة أثماناً باهظة من دم الناس وكرامتهم، جرى الالتفاف عليها بأدوات وصولية ارتدت قناع التغيير، فخانته قبل أن تخون من حملها إلى الندوة البرلمانية. لذلك، فإن أي مشروع إنقاذ حقيقي للبنان يبدأ بكشف هذه الأدوات، ومحاسبتها سياسياً وشعبياً، ومطالبة المجتمع الدولي بفرض عقوبات على هذه الاسماء التي سرقت أحلام اللبنانيين بالتغيير نحو دولة القانون والمؤسسات، واستعادة معنى التمثيل النيابي بصفته أمانة لا وديعة، وصوتاً حراً لا وظيفة في مشروع الهيمنة!

المقاربة الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة “النهار” الاعلامية

اخترنا لك