بقلم كوثر شيا – خاص بوابة بيروت
@kchaya

كاتبة وناشطة سياسية
بعد سنوات من المطاردة وتفادي العدالة، وصلت واحدة من أبرز القضايا الجنائية في لبنان إلى محطة مفصلية مع صدور حكم عن المحكمة العسكرية الدائمة بحق المطلوب نوح زعيتر، في خطوة تعيد تسليط الضوء على ملف شكّل لسنوات عنواناً لتحديات الدولة في مواجهة الجريمة المنظمة.
في تفاصيل جلسة 3 شباط 2026، أصدرت المحكمة أحكامها في أربعين ملفاً أمنياً جنحياً. فقد أُدين زعيتر في أربعة ملفات، وحُكم عليه بالحبس لمدة شهر واحد عن كل ملف مع مصادرة الأسلحة والعتاد العسكري المضبوط. في المقابل، قضت المحكمة بالبراءة في ثلاثة ملفات لعدم كفاية الأدلة، بينما سقطت الملاحقة في ثلاثة وثلاثين ملفاً بسبب مرور الزمن القانوني، ما يعكس تعقيدات المسار القضائي في القضايا الممتدة لسنوات.
ولم تُقفل القضية بعد، إذ قررت المحكمة تأجيل البتّ في ملفين جنحيين إلى جلسة الخامس من أيار 2026، وهو الموعد نفسه الذي يُنتظر أن تنطلق فيه محاكمته في ملفات جنائية أكثر خطورة، تشمل جرائم القتل ومحاولة القتل والاتجار بالمخدرات، وهي التهم التي قد ترسم ملامح الحكم النهائي في هذه القضية الشائكة.
نوح زعيتر لم يكن اسماً عادياً في السجلات الأمنية، بل ارتبط لسنوات بصورة “أحد أخطر المطلوبين” و“بارون المخدرات” في لبنان. وقد أُلقي القبض عليه في 20 تشرين الثاني 2025 بعد كمين نفذه الجيش اللبناني في بلدة الكنيسة – قضاء بعلبك، حيث سلّم نفسه من دون مقاومة تُذكر. وتشير المعطيات إلى أنه كان يُشتبه في ترؤسه شبكة واسعة لتصنيع وتهريب المخدرات، ولا سيما الكابتاغون والحشيش، عبر الحدود اللبنانية – السورية، مع حديث عن ارتباطات إقليمية محتملة.
وعلى المستوى الدولي، كان زعيتر مطلوباً عبر الإنتربول، كما فرضت عليه الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي عقوبات خلال عامي 2023 و2024 لدوره المزعوم في تجارة المخدرات. كذلك صدر بحقه حكم غيابي بالإعدام عام 2024 بعد اتهامه بإطلاق النار على عناصر من الجيش. وبحسب فريق الدفاع، تراكمت ضده نحو ألف دعوى قضائية بين جنح وجنايات، ما جعل ملفه من أكثر الملفات تشعباً في القضاء اللبناني.
أما داخل قاعة المحكمة، فقد بدت الصورة مختلفة عن تلك التي طالما أحاطت باسمه. إذ أفادت التقارير بأنه ظهر في حالة وهن شديد نتيجة إضرابه عن الطعام، ما اضطر الحاضرين إلى تأمين كرسي له لعدم قدرته على الوقوف. ورغم حالته الصحية، وُصف بأنه كان متماسكاً في دفاعه، نافياً معظم التهم، ومؤكداً أنه لم يطلق النار إلا في الهواء خلال تشييع أحد العسكريين وبعد الحصول على إذن، كما أنكر امتلاك أسلحة أو إدارة مقر خاص به، مطالباً بتأكيد براءته.
قانونياً، اعتبر وكيله المحامي أشرف الموسوي أن الأحكام الصادرة اليوم ليست سوى بداية مسار قضائي طويل، مشيراً إلى أن فريق الدفاع يعمل على تسريع المحاكمات في القضايا الجنائية العالقة. في المقابل، أثار الحكم موجة من التساؤلات في الأوساط الإعلامية وبين الرأي العام حول ما إذا كان توقيف زعيتر وما تلاه يمثل انتصاراً لمؤسسات الدولة، أم أنه يأتي ضمن تسوية غير معلنة، خصوصاً مع سقوط عدد كبير من الملفات بمرور الزمن.
وتأتي هذه التطورات في سياق حملة أمنية متصاعدة في منطقة البقاع، بالتوازي مع ضغوط دولية وخليجية على لبنان لتشديد مكافحة تهريب الكابتاغون، الذي تحوّل إلى قضية عابرة للحدود ذات أبعاد سياسية وأمنية واقتصادية.
اليوم، يُطوى فصل من فصول قضية استمرت سنوات، لكن المشهد لا يزال مفتوحاً على احتمالات عديدة. فبينما أُغلق باب الملفات الجنحية إلى حدّ كبير، تقترب البلاد من استحقاق قضائي أكثر حساسية مع بدء محاكمات الجنايات في أيار المقبل. هناك فقط سيتحدد المسار الحقيقي للقضية، وتُختبر قدرة الدولة على تحويل هذا الملف من رمز للفلتان إ