“السيادة” بين سحب السلاح والهيبة المفقودة

بقلم مروان الأمين

تكرّر على مسامع اللبنانيين، أكثر من مرة، كلام رئيس الحكومة نواف سلام عن أن الدولة استعادت سيادتها على الجنوب للمرة الأولى منذ عام 1969. ويستند هذا الطرح إلى ما قام به الجيش اللبناني من مداهمات للأنفاق والمخازن، ومصادرة أسلحة جرى اكتشافها جنوب نهر الليطاني، ضمن هامش لا يزال “حزب الله” يسمح به.

غير أن السؤال الجوهري يبقى مطروحًا: هل تُقاس السيادة فعلًا بحجم السلاح المصادَر أو بعدد المواقع التي تمّت مداهمتها؟ أم أن للسيادة مفهومًا أوسع وشروطًا تتجاوز هذه الإجراءات؟

إنّ حصر السلاح بيد الدولة جنوب الليطاني بشكل جديّ وكامل لا يمكن أن يتحقق عبر مصادرة ما ينجح الجيش في اكتشافه فحسب. المطلوب، في الحد الأدنى، أن تفرض السلطة اللبنانية على “حزب الله” تسليم خرائط شاملة لجميع منشآته العسكرية في تلك المنطقة، بما يتيح للدولة القيام بمهمة كاملة، لا وفق ما يُتاح لها ضمن هوامش مرسومة سلفًا.

إنّ الإعلان عن استعادة الدولة سيادتها جنوب الليطاني يفترض، حكمًا، إخضاع “حزب الله” لسلطة الدولة ومؤسساتها، لا العكس. فالسيادة لا تستقيم حين تبقى سلطة “الحزب” متقدمة على سلطة الدولة وأجهزتها في قرى وبلدات الجنوب. وما الجدوى من مصادرة سلاح يُسمح بمصادرته، فيما القرار الفعلي والهيمنة على الأرض لا تزال خارج يد الدولة؟ والمثال الأوضح على ذلك، تحريك ” الحزب” ما يُسمّى “الأهالي” في وجه الجيش وقوات “اليونيفيل”، من دون أن تجرؤ الأجهزة الرسمية على توقيف أيّ من المحرّضين أو المشاركين.

أمّا الإعلان عن أن قرار الحرب والسلم أصبح بيد الدولة، وأن فتح جبهة جديدة لم يعد واردًا، فهو كلام لا يستخف بعقول اللبنانيين والمجتمع الدولي فحسب، بل يدفعهما، عمليًا، إلى الاستخفاف بجدّية السلطة نفسها وبقدرتها الفعلية على فرض قراراتها.

إن ما يمنع “حزب الله” من الذهاب إلى مواجهة عسكرية، عاملان لا ثالث لهما: أولًا، الخشية من ردّ فعل إسرائيل، وثانيًا، غياب التكليف الشرعي الصادر عن ولي الفقيه حتى الآن. في المقابل، تبدو السلطة اللبنانية خارج معادلة التأثير بالكامل، من دون قدرة حقيقية على ممارسة الحدّ الأدنى من “المَونة”.

ما دام الشيخ نعيم قاسم يعلن صراحة رفضه تسليم السلاح، ويتحدث بلا مواربة عن فتح الجبهة دفاعًا عن علي خامنئي، وما دام “صغار” حزب الله، قبل قياداته، يتصرفون على أساس أنهم فوق القانون والمساءلة، فإن أيّ حديث عن سيادة الدولة يبقى منفصلاً عن الواقع.

ويزداد واقع السيادة تهشيمًا حين نلحظ أن ملفات جرائم الاغتيال التي يُتهم “حزب الله” بالضلوع فيها وحدها ما زالت عالقة من دون نتيجة، فيما لم ينل الضحايا حتى اليوم حقهم في العدالة. فالدولة التي تعجز عن كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين عن الاغتيالات حين يتعلق الأمر بـ “حزب الله”، هي دولة منقوصة السيادة جنوب الليطاني وشماله.

قبل أيام، مرّت ذكرى اغتيال الصديق لقمان سليم، من دون حقيقة، ومن دون محاسبة، ومن دون عدالة. وفي ظل هذا المشهد، يصبح الترويج لاستعادة السيادة خطابًا يفتقر إلى الحد الأدنى من المصداقيّة، بل خطاباً يدعو إلى الخجل، لأن السيادة لا تُقاس بالتصريحات ولا تُبنى على الإنكار.

سحب السلاح شرطٌ أساسيّ لقيام سيادة الدولة، لكنه وحده لا يكفي. فلا سيادة فعليّة من دون هيبة دولة. وهذه الهيبة لا تزال مفقودة حتى اليوم، جنوب الليطاني كما شماله.

اخترنا لك