بقلم بلال مهدي – خاص بوابة بيروت
@BilalMahdiii

رئيس التحرير
لم يعد العبث بالمؤسسات يتم في العلن، بل صار يُدار ببرود تقني، وبأقلام تشريعية تعرف تمامًا كيف تُفرغ القوانين من روحها، وتُحوّل النصوص من ضمانات إلى أفخاخ. ما يجري في كواليس البرلمان ليس نقاشًا إداريًا عابرًا، بل محاولة مدروسة لإعادة هندسة التمثيل داخل إحدى أبرز المؤسسات “الدينية – الاجتماعية” للطائفة الشيعية وهي المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، بما يضمن بقاء القرار أسير قبضة سياسية واحدة، ويمنع أي احتمال للنفَس المختلف أو السؤال الحر.
التحرك الذي يقوده نواب الثنائي الشيعي لا ينطلق من حرص على التنظيم أو “التطوير”، بل من خوف مزمن من صندوق الاقتراع، ومن رعب حقيقي من الناس عندما يُمنحون حق الاختيار. لذلك يُراد تفريغ هذا الحق عبر تقنيات ملتوية للانتخاب داخل المجلس الشيعي. تضييق، فلترة، شروط تعجيزية، ونخب مُنتقاة سلفًا على قاعدة الولاء لا الكفاءة، هكذا تتحول العملية الانتخابية إلى مسرحية سيئة الإخراج، تُكتب نتائجها قبل أن تُفتح صناديقها، ثم تُمنح لاحقًا شرعية ورقية بقرار تشريعي مشبوه.
الفضيحة هنا ليست قانونية فقط، بل أخلاقية وسياسية. إن المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى يُفترض أن يكون مساحة جامعة للطائفة بكل تنوعها، لا أن يُختزل إلى غرفة صدى لخط سياسي واحد، وتُصادر منه وظيفته التمثيلية ليُستخدم كأداة إضافية في منظومة السيطرة، تمامًا كما صودرت سابقًا مؤسسات الدولة، والقرار الوطني، وحتى مفهوم المقاومة نفسه. الأخطر أن هذا المسار لا يلغي فقط إرادة الناس، بل يُفرغ الإرث الذي قام عليه المجلس من معناه، ويطيح بالبعد الاستقلالي الذي ناضل من أجله الإمام موسى الصدر، ليُستبدل بمنطق التبعية والتنفيذ الأعمى.
المستفيدون من هذا الانقلاب التشريعي معروفون بالاسم والوظيفة. هم أنفسهم من يحتكرون القرار الديني والسياسي، ويخافون من أي خرق، ولو رمزي، لمنظومة الطاعة. لذلك يُعاد إنتاج القوانين على مقاسهم، ويُختصر المجتمع الشيعي بممثليه المطيعين، وتُقمع أي إمكانية للمساءلة. هذه ليست إدارة شؤون طائفة، بل مصادرة منظمة لها، وتحويلها إلى كتلة صمّاء تُدار من فوق، بلا رأي، وبلا صوت، وبلا حق.
أما التداعيات، فهي أوسع من الإطار الشيعي، وتمسّ جوهر الدولة اللبنانية نفسها. حين تُحوَّل مؤسسة رسمية إلى كيان شبه مُعيَّن، يُشرعن الاستثناء، وتُكسر فكرة التمثيل، ويُقال للبنانيين إن الإصلاح مجرد شعار للاستهلاك، وإن القوانين ليست سوى أدوات في يد الأقوى.
هذا المسار يعمّق الشرخ بين المجتمع ومؤسساته، ويُراكم غضبًا صامتًا قد لا ينفجر اليوم، لكنه يتخمّر في الوعي، ويُعيد طرح السؤال الأخطر، لمن هذه الدولة؟ ولمن تُكتب قوانينها؟
لم تعد المسألة تفصيلًا داخليًا ولا شأناً طائفيًا معزولًا. إنها معركة على معنى الانتخاب نفسه، وعلى الحدّ الفاصل بين الحق والمصادرة، وبين الشراكة والضبط، وبين القانون كضمان، والقانون كوسيلة قمع ناعمة.
ما يحاول الثنائي الشيعي تمريره في مجلس النواب ليس تعديلًا تقنيًا لقانون المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، بل تكريسًا لنهج فاسد يرى في الناس خطرًا، وفي الديمقراطية تهديدًا، وفي الدولة مجرد غطاء لهيمنة لا تشبع.