إستراتيجية التحصين وتحييد الساحة بانتظار لحظة التوازن

بقلم داود رمال
@DaoudRammal

في لحظة إقليمية بالغة الدقة، يتحرك لبنان الرسمي على قاعدة مزدوجة تجمع بين تحصين الداخل من تداعيات أي انفجار كبير محتمل في المنطقة، والاستعداد للاستفادة من أي تحول إيجابي قد ينعكس على واقعه السياسي والأمني والاقتصادي، وسط إدراك واسع بأن مسار التطورات لم يعد محكوما بالعوامل المحلية بقدر ما بات مرتبطا مباشرة بمستقبل المواجهة المفتوحة بين الولايات المتحدة وإيران واحتمالات انتقالها إلى مرحلة أكثر خطورة.

وقال مصدر سياسي لـ «الأنباء»: «أعاد هذا الإدراك ترتيب أولويات القوى السياسية اللبنانية، التي باتت تتعامل مع الاستحقاقات الداخلية، وفي مقدمتها ملف السلاح ودور الدولة وخطة إعادة الإعمار وتعزيز حضور المؤسسات، من زاوية تأثير التوازنات الدولية والإقليمية عليها، لا من زاوية التوازنات المحلية فقط. وتشير التقديرات إلى أن المنطقة تقف على حافة مرحلة مفصلية، وأن أي مواجهة واسعة النطاق ستفرض وقائع جديدة تتجاوز الحدود الجغرافية للدول المعنية مباشرة، ما يجعل لبنان بحكم موقعه الجغرافي وطبيعة توازناته الداخلية في قلب دائرة التأثر، سواء سلبا أو إيجابا».

وأضاف المصدر «هذا الواقع دفع الدولة اللبنانية إلى اعتماد مقاربة تقوم على إعادة بناء جسور التواصل الداخلي وتخفيف حدة التوتر السياسي، انطلاقا من قناعة بأن تحصين الجبهة الداخلية يشكل الشرط الأول لتحييد لبنان عن أي ارتدادات محتملة، وهذا ما انعكس في إعادة تنشيط قنوات الاتصال السياسية على أعلى المستويات، وفي محاولة إعادة تنظيم العلاقة بين الدولة وحزب الله، بما يضمن إبقاء الحوار مفتوحا حول القضايا الخطيرة، خصوصا تلك المرتبطة بمستقبل الاستقرار الداخلي وموقع لبنان في أي معادلة إقليمية مقبلة».

وأشار المصدر نفسه إلى أن «الخطوات المرتقبة لتعزيز حضور الدولة في الجنوب، سواء من خلال إطلاق مسارات إعادة الإعمار أو عبر تكريس دور المؤسسات الرسمية في إدارة المرحلة المقبلة، تشكل جزءا أساسيا من استراتيجية تثبيت مرجعية الدولة، وتوجيه رسالة واضحة إلى المجتمع الدولي بأن لبنان يسعى إلى الإمساك بزمام المبادرة وتعزيز موقعه السيادي، بما يمكنه من التفاوض من موقع أكثر تماسكا في مواجهة أي ضغوط أو استحقاقات مقبلة».

وأكد المصدر أن «الاتصالات السياسية والديبلوماسية الجارية تعكس إدراكا متزايدا لحجم التحدي الذي يواجهه لبنان في التوفيق بين واقعه الداخلي والضغوط الخارجية المرتبطة بالصراع مع إيران، مشيرا إلى أن جزءا أساسيا من الجهود الرسمية يتركز على محاولة ضمان عدم انزلاق لبنان إلى موقع المواجهة المباشرة، عبر التأكيد على أولوية الاستقرار الداخلي وتفادي أي خطوات قد تدفع إلى تحويل الساحة اللبنانية إلى جزء من مسرح الصراع الإقليمي».

ولفت إلى أن «التقديرات المتوافرة تشير إلى أن أي مواجهة واسعة مع إيران قد تترافق مع محاولات لإعادة رسم موازين القوى في المنطقة، بما يشمل الساحة اللبنانية، سواء عبر الضغوط السياسية أو عبر أدوات عسكرية وأمنية. وهذا ما يفسر تنامي القلق داخل الأوساط اللبنانية من أن يصبح لبنان جزءا من المواجهة، سواء نتيجة قرارات خارجية أو نتيجة تفاعلات داخلية تفرض نفسها تحت ضغط التطورات».

وأوضح المصدر أن «الاستراتيجية اللبنانية في هذه المرحلة تقوم على تفادي الانخراط في أي تصعيد، بالتوازي مع تعزيز مقومات الصمود الداخلي، سياسيا وأمنيا واقتصاديا، من خلال تثبيت الاستقرار الأمني، وتفعيل عمل المؤسسات، وإعادة إطلاق مسارات إعادة الإعمار، وتحسين موقع لبنان في علاقاته الدولية، خصوصا مع الدول المؤثرة القادرة على لعب دور في حماية استقراره ومنع انزلاقه إلى أي مواجهة غير محسوبة».

وختم المصدر بالتأكيد على أن «الدولة اللبنانية لا تكتفي بسياسة التحصين، بل تعمل أيضا على الاستعداد لمرحلة ما بعد التصعيد، انطلاقا من قناعة بأن أي تحول في ميزان القوى الإقليمي قد يفتح نافذة لإعادة ترتيب الواقع اللبناني، سواء عبر تسويات سياسية أو عبر دعم دولي أكبر لمؤسسات الدولة، بما يعزز قدرتها على الإمساك بالأمن والاستقرار، والرهان الأساسي في هذه المرحلة هو على نجاح لبنان في تثبيت معادلة تقوم على التهدئة وتحييد الساحة اللبنانية، بانتظار اتضاح صورة التوازنات الكبرى، بما يسمح له بتجاوز هذه المرحلة الدقيقة والاستفادة من أي فرصة لإعادة تثبيت استقراره واستعادة دوره».

اخترنا لك