بين التفاهم والتصعيد : #لبنان في قلب #المفاوضات “الأميركية – الإيرانية” وسؤال السلاح

بقلم جاد الاخوي
@jadalakhaoui

لا يمكن قراءة المفاوضات الأميركية–الإيرانية بوصفها مساراً دبلوماسياً منفصلاً عن واقع لبنان. فلبنان، بحكم هشاشته البنيوية وغياب دولته الفاعلة، يتحوّل في كل مرحلة إقليمية دقيقة إلى ساحة اختبار، لا إلى طرف تفاوض. وفي ظل استمرار التوتر بين واشنطن وطهران، يصبح السؤال الحقيقي: ما الذي ينتظر لبنان إذا نجحت هذه المفاوضات؟ وما الذي ينتظره إذا فشلت؟ والأهم: ماذا يعني ذلك لمصير حزب الله وسلاحه؟

مفاوضات بلا حسم: إدارة صراع لا تسوية

حتى الآن، لا يمكن الحديث عن نجاح كامل للمفاوضات الأميركية–الإيرانية، ولا عن انهيار نهائي لها. نحن أمام نمط جديد من التفاوض، هدفه إدارة الصراع لا حلّه. الولايات المتحدة لا تريد حرباً إقليمية واسعة قد تخرج عن السيطرة، فيما إيران لا تريد مواجهة مباشرة تهدد بقاء النظام أو تدمّر ما راكمته من نفوذ إقليمي.

لهذا، تقوم المفاوضات على تفاهمات غير معلنة، جزئية ومؤقتة، عنوانها الأساسي: خفض التصعيد مقابل إبقاء أوراق الضغط. لا اتفاق شامل، ولا سلام مستدام، بل هدنة مفتوحة على الاحتمالات.

في هذا السياق، يصبح لبنان ساحة ثانوية في الحسابات الكبرى، لكنه ساحة أساسية في دفع الأثمان.

إذا نجحت المفاوضات: ثمن التجميد لا الحل

في حال نجحت المفاوضات، أو استقرّت على صيغة تهدئة طويلة نسبياً، فإن لبنان قد يتجنّب حرباً شاملة، لكن ذلك لا يعني أنه يربح. بل يدفع ثمناً من نوع آخر: تكريس وضعه كساحة نفوذ منضبطة.

في هذا السيناريو:

• يُضبط إيقاع المواجهة في الجنوب.
• يُطلب من حزب الله ضبط استخدام السلاح لا التخلي عنه.
• تُرحَّل الأسئلة الكبرى حول السيادة والدولة إلى أجل غير مسمّى.

التجميد هنا ليس حلاً، بل إدارة للأزمة. لا ضغط دولياً حقيقياً لبناء دولة لبنانية قادرة، ولا مسار داخلي لإعادة تكوين السلطة، ولا معالجة جذرية لمسألة السلاح. يصبح لبنان ملفاً غير ملحّ، لكنه غير قابل للحياة.

وهذا هو الثمن الأخطر: انهيار بطيء بلا انفجار، واستنزاف طويل بلا خلاص.

إذا فشلت المفاوضات: ثمن الانفجار السريع

أما إذا فشلت المفاوضات، أو انهارت بفعل تطور إقليمي كبير – ضربة لإيران، تصعيد في الخليج، أو تحوّل داخلي في طهران – فإن لبنان يدخل فوراً دائرة الخطر المرتفع.

في هذه الحالة:

• تستخدم إيران أوراقها الإقليمية للضغط.
• يصبح لبنان ساحة رسائل مباشرة أو غير مباشرة.
في صلب هذه المعادلة يقف سؤال حاسم: هل تقبل إسرائيل بتجميد سلاح حزب الله كحل طويل الأمد؟

الجواب، وفق العقيدة الأمنية الإسرائيلية، هو: لا.

إسرائيل قد تقبل بتهدئة مؤقتة، أو بترتيبات أمنية مرحلية، لكنها لا ترى في تجميد السلاح حلاً استراتيجياً. من وجهة نظرها، السلاح الذي يبقى موجوداً، حتى لو كان صامتاً، هو تهديد مؤجّل. وهو يمنح خصمها الوقت لإعادة التنظيم، وتطوير القدرات، وتحسين دقة الصواريخ.

لذلك، فإن أي قبول إسرائيلي بالتجميد يكون تكتيكياً، مشروطاً، وقابلاً للانقلاب في أي لحظة، خصوصاً في ظل اعتبار إسرائيل أن حزب الله ليس لاعباً لبنانياً مستقلاً، بل جزءاً عضوياً من المنظومة الإيرانية.

هل يعني ذلك أن حزب الله باقٍ بقوة؟

الاستنتاج الواقعي هنا دقيق:

حزب الله باقٍ في المدى المنظور، لكن ليس بالضرورة بالقوة نفسها ولا بالدور نفسه.

بقاؤه يعود إلى عدة عوامل:

• لا قرارا دولياً حالياً بإزالته بالقوة.
• كلفة الحرب الشاملة مرتفعة على الجميع.
• غياب الدولة اللبنانية القادرة على فرض بديل سيادي.

لكن هذا البقاء لا يعني تمدّداً أو تفوّقاً مطلقاً. فالحزب يمرّ بمرحلة مختلفة:

• قوته العسكرية ما زالت قائمة، لكنها مقيّدة بالحسابات الإقليمية.
• قوته السياسية تتآكل داخلياً.
• شرعيته الوطنية لم تعد كما كانت.
• قدرته على فرض خياراته من دون كلفة باتت أضعف.

بعبارة أدق، الحزب لم يعد في مرحلة توسيع نفوذ، بل في مرحلة تثبيت موقع ومنع خسائر كبرى.

لبنان بين منطقين لا يملكهما

المأزق اللبناني العميق أن البلد محكوم بمنطقين خارجيين لا يملك قرار أيٍّ منهما:

• منطق إيراني يستخدم الساحة اللبنانية كورقة تفاوض.
• ومنطق إسرائيلي يرى في هذه الساحة تهديداً يجب تحييده أو إزالته عند الضرورة.

وفي ظل غياب دولة قادرة، ونظام سياسي مشلول، يتحوّل لبنان إلى كيان يتلقّى النتائج ولا يصنع الخيارات.

النتيجة: بقاء بلا أفق

سواء نجحت المفاوضات الأميركية–الإيرانية أو فشلت، فإن لبنان لا يخرج رابحاً تلقائياً.

• النجاح قد يحميه مؤقتا من الحرب، لكنه لا يعيد بناء الدولة.
• الفشل قد يسرّع الانفجار، ويضعه في مواجهة لا قدرة له عليها.

وفي الحالتين، يبقى حزب الله لاعباً أساسياً، لكن في سياق إقليمي ضاغط، وزمن لم يعد يعمل بالكامل لمصلحته.

المسألة لم تعد: هل يبقى الحزب أم لا؟

بل: إلى متى يبقى لبنان ساحة يدفع أثمان بقاء الآخرين؟

إلى أن يُطرح هذا السؤال داخلياً بجرأة، ويُربط بمشروع دولة حقيقية، سيبقى لبنان عالقاً بين تفاهم مؤجِّل وانفجار محتمل، وبين بقاء بلا أفق وانتظار بلا نهاية.

اخترنا لك