رصد بوابة بيروت
في سياق النقاش المفتوح حول أزمة العمل البلدي في العاصمة، وتحت وطأة التحديات الإدارية والمالية والخدماتية التي تعانيها بيروت، نظم المنبر البلدي لمدينة بيروت، ضمن إطار الحوار التعددي، ندوة حوارية مساء الجمعة في السادس من شباط الجاري، حملت عنوان بلدية بيروت إلى أين، وذلك في مقر منظمة العمل اليساري الديمقراطي العلماني في بيروت، وطى المصيطبة، بحضور رسمي وبلدي ونقابي وشعبي واسع.
الندوة التي تحدث خلالها رئيس المجلس البلدي لمدينة بيروت المهندس إبراهيم زيدان، شهدت مشاركة عدد من أعضاء المجلس البلدي، بينهم إسكندر بريدي، الدكتور سعيد حديفة، جمانة الحلبي ورشا فتوح، إلى جانب شخصيات سياسية واجتماعية ونقابية، من بينهم رئيس المكتب التنفيذي للمنظمة زكي طه، المحامي شادي البستاني، القاضي ميسم النويري، النقابي أديب أبو حبيب، مدير عام مؤسسة مخزومي سامر الصفح، المختاران سليم المدهون وحسن العمري، الدكتور شكري حماصني، الدكتور حُسن عبود، المهندس راشد حمادة والدكتور عبد الرحمن المبشر، إضافة إلى عدد من أعضاء المنبر البلدي لمدينة بيروت، بينهم أمين السر جمال حلواني، حسان الخطيب، هاني حمود، بسام سنو، عدنان الحكيم، أحمد قباني، بيار اللاتي، أمين فتوح، والدكتور سمير الحلبي، فضلًا عن حشد واسع من أهالي المدينة والمقيمين فيها.
بعد كلمة ترحيبية من أمين سر المنبر جمال حلواني، تولت السيدة رلى العجوز صيداني، عضو المجلس البلدي السابق، تقديم الندوة، فتناولت واقع مدينة بيروت وما تعانيه من أزمات متراكمة، وما تحتاجه من خدمات ملحّة على مختلف المستويات، في ظل أوضاع معيشية صعبة يرزح تحتها أهلها والمقيمون فيها.
ورأت العجوز أن العمل البلدي في مدينة بحجم بيروت لا يخلو من تحديات إدارية وقانونية وسياسية وتنظيمية، لافتة إلى أن الخلافات التي ظهرت إلى العلن، وخصوصًا تلك المتعلقة بالصلاحيات بين البلدية والمحافظ، تعكس أزمة بنيوية متراكمة في النظام البلدي. وأكدت أن أهمية هذه المرحلة تنبع من كون المجلس البلدي الحالي لم يمض على انطلاقته سوى تسعة أشهر.
وطرحت العجوز سلسلة أسئلة جوهرية، أبرزها ضرورة صياغة برنامج عمل بلدي يتلاءم مع الواقع المالي للبلدية، داعية إلى نشر دفاتر الشروط للمشاريع الكبرى السابقة وكلفتها المالية المتغيرة بعد التسليم، بما في ذلك عقود تنفيذ سوق الخضار في صبرا، الحدائق العامة، الوسطيات وأعمال الصيانة. كما تساءلت عن وضع جهاز الإطفاء والإطفائيين، وما يُحكى عن إلغائه، وأسباب تدني رواتب عناصره وضباطه وغياب التغطية الصحية، معتبرة أن محاربة الفساد تصبح شبه مستحيلة في ظل رواتب متدنية وانعدام الضمانات الاجتماعية.
وتوقفت عند ملف إحصاء ممتلكات البلدية، معتبرة أنه خطوة إيجابية، لكنها تساءلت عما إذا كانت السلطات التنفيذية تقدم المعلومات المطلوبة، وهل ستُنشر نتائج الإحصاء، وما هو مخطط رفع مداخيل البلدية من أملاكها ومحطة التسفير والمرائب. كما دعت إلى توضيح العلاقة بين البلدية وشركة سوليدير، ومسألة الأسهم والأرباح المهدورة، وموقف البلدية من مشروع مقايضة الأسهم بمبنى التياترو الكبير الأوبرا، إضافة إلى عائدات البلدية من أملاكها ومنطقة البيال.
كما عرضت لمشكلة حديقة الرئيس رفيق الحريري العائدة للبلدية وتأخر تسليمها حتى اليوم، متسائلة عن عائدات الصندوق البلدي من الأنشطة الفنية والترفيهية التي تُقام فيها، ودعت إلى تحديد المسؤوليات عن هدر أموال البلدية، وعن الأصول التي تملكها وعددها والجهات المخولة استثمارها. ولم تغفل الإشارة إلى الوضع البيئي المأساوي في بيروت، ولا سيما يبس معظم أشجارها المعمرة، متوقفة عند عقد النفايات الذي جرى تجديده منذ سنتين، ومن قام بذلك، والعقد الذي ينتهي بعد أشهر، وما إذا كانت هناك نية لاعتماد شركات جديدة تستثمر النفايات بما يدر أرباحًا للبلدية. وختمت بالإشارة إلى ملفات الإعلانات والآرمات، والمكننة، وضرورة التصدي للتعديات الفاضحة على الأملاك البحرية.
في مداخلته، أشار رئيس بلدية بيروت المهندس إبراهيم زيدان إلى مشكلة الشغور الوظيفي الحاد داخل البلدية، حيث يصل إلى نحو سبعين في المئة من الكادر، لافتًا إلى أن بعض الدوائر التي كانت تضم بين ستين وسبعين موظفًا لم يعد يعمل فيها سوى ثلاثة أو أربعة، فيما يبلغ معدل أعمار الموظفين سبعة وخمسين عامًا، ما يشكل عائقًا أمام تنفيذ الخطط. وأوضح أن البلدية تعاني أيضًا من مشكلات قانونية ومالية تحول دون سد الثغرات وملء الشواغر، فضلًا عن الأوضاع المعيشية الصعبة للموظفين ورجال الإطفاء لناحية الرواتب والضمانات الصحية المفقودة.
وأكد زيدان أن المجلس وعد بتأمين كرامة الموظفين وأبناء المدينة ومحاربة الفساد، مشيرًا إلى التواصل مع ديوان المحاسبة وطلب تزويده بجميع الوثائق والتقارير السابقة، وإلى الانفتاح على التعاون مع جميع أصحاب الخبرات لتحقيق الأهداف المشتركة، وفي مقدمتها تأمين الخدمات العامة التي تشكل حقًا للأهالي وواجبًا على البلدية، مؤكدًا أن المجلس يدرك حجم الأمانة الملقاة على عاتقه تجاه بيروت بكل أحيائها.
واعترف بتراكم الأزمات وتفاقمها، إلا أنه شدد على أن المجلس البلدي سيبذل جهده لتسليم المدينة لمن يأتي بعده بصورة أفضل وأكثر انتظامًا، مع العمل على إعداد مخطط توجيهي سليم، وإعادة الاعتبار لدور المناقصات في تلزيم المشاريع ومتابعة تنفيذها وفق الشروط الفنية. وأشار إلى فتح عروض تنفيذ عدد من المشاريع مؤخرًا، وفوز العارض الأكثر مطابقة للمواصفات، إضافة إلى إعداد دفاتر شروط لرش المبيدات وخدمة الحدائق العامة، مع إيلاء حرش بيروت أهمية خاصة باعتباره متنفسًا أساسيًا للمدينة.
ولفت زيدان إلى اكتشاف مخالفات لافتة في كلفة ري الأشجار عبر استئجار صهاريج مياه، رغم وجود آبار وبحيرة ومضخات ارتوازية تحتاج إلى صيانة بسيطة، منتقدًا عدم الحفاظ في المجالس السابقة على مساعدات الدول الصديقة التي ساهمت في إنقاذ حرش بيروت بعد تدميره خلال الغزو الإسرائيلي عام 1982. وأعلن وضع دفتر شروط لتلزيم مواقف السيارات والمرائب، والتوجه لاستكمال الكادر الوظيفي للبلدية، ووقف سياسة التلزيم العشوائي التي كلفت البلدية أموالًا طائلة، بالتوازي مع التعاون مع شركات استشارية متخصصة لإعداد دفاتر شروط المشاريع المقبلة.
وفي ملف الفساد، اعتبر زيدان أنه ملف معقد، مؤكدًا أن تحسين أوضاع الموظفين والمكننة يحدّان من انتشاره. وأوضح أنه جرى التواصل مع شركات متخصصة لتحويل وثائق البلدية إلى النظام الرقمي، مشيرًا إلى وجود قاعدة أساسية تحتاج إلى تطوير بعد سنوات من الإهمال. وتناول أزمة النفايات الناتجة عن الإخلال بدفاتر الشروط، وصولًا إلى تفاقم مشكلة المطامر وتأثيرها البيئي والصحي، مشددًا على ضرورة التدقيق في العقود ومراقبة التنفيذ.
كما أشار إلى مشكلات شبكات الصرف الصحي ومياه الأمطار والمياه المبتذلة، وحاجتها الماسة إلى التحديث، معلنًا أن المجلس بصدد إعداد بيانات النفقات السنوية غير المنجزة منذ عام 2019 لكشف مكامن الهدر. وأبدى استعداد المجلس للتعاون مع المخاتير لتشكيل لجان شعبية في الأحياء تساند البلدية في أداء مهامها.
وفي ختام الندوة، شددت المداخلات على ضرورة تأمين بطاقات صحية، ورصد أوضاع الأشجار لحمايتها، ومعالجة ظاهرة التسول، ودعم الأطفال المتسربين من المدارس وذوي الحاجات الخاصة، مع الإشارة إلى حرمان المقيمين غير اللبنانيين من المشاركة في الانتخابات البلدية. كما جرى التأكيد على أهمية عقد لقاءات دورية بين المجلس البلدي وأهالي بيروت.
وردًا على ذلك، أكد زيدان استعداد المجلس للتعاون مع المنبر البلدي، مشددًا على أن مبنى البلدية مفتوح، وداعيًا الجميع إلى اعتبار البلدية بيتهم والتواصل الدائم معها لضمان حقوقهم المشروعة.