من بعبدا إلى إسطنبول : رسائل رعد ومناورات طهران…

هل بدأ العدّ العكسي لسلاح «حزب الله»؟

بقلم أحمد عيّاش

أطل رئيس “كتلة الوفاء للمقاومة” النائب محمد رعد من قصر بعبدا وسط توقعات أن جسور التواصل بين “حزب الله” ورئيس الجمهورية جوزاف عون قد انقطعت. وأتت زيارة رعد على مسافة قريبة من لقاء أميركي إيراني وسط تحضيرات لحرب أعدّت لها واشنطن ولا تزال ضد الجمهورية الإسلامية. فهل من رابط بين ما يجري في لبنان وبين ما يدور بين الولايات المتحدة الأميركية؟

التفاصيل يستحسن قبل المضي في متابعة هذا السؤال، التوقف عند المفاجأة التي أطل بها موقع “أكسيوس” الإخباري الأميركي الأربعاء، حيث أفاد مسؤولان أميركيان الموقع بأن “الولايات المتحدة أبلغت إيران بأنها لن توافق على مطالب طهران بتغيير مكان وتنسيق المحادثات المقرر إجراؤها يوم الجمعة”.

وبحسب “أكسيوس”، فإن “هذا المأزق قد يعيق المسار الدبلوماسي ويقنع الرئيس الأميركي دونالد ترامب باختيار العمل العسكري”، حيث كانت الولايات المتحدة وإيران قد اتفقتا على الاجتماع يوم الجمعة في إسطنبول، بمشاركة دول أخرى من الشرق الأوسط بصفة مراقبين.

وأشار المسؤول الأميركي الرفيع إلى أنه “إذا كان الإيرانيون مستعدين للعودة إلى التنسيق الأصلي، فإن الولايات المتحدة مستعدة للاجتماع هذا الأسبوع أو الأسبوع المقبل”.

شروط إيرانية قبل الجلوس إلى الطاولة

يُستفاد من نبأ الموقع الأميركي أن الولايات المتحدة قررت أن تظهر الحزم إزاء سلوك النظام الإيراني الذي بدأ يطرح الشروط قبل الجلوس إلى طاولة المفاوضات. فسعت طهران أولًا إلى طلب نقل المفاوضات من إسطنبول بتركيا إلى مسقط بسلطنة عمان. وعندما بدا أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا يمانع نقل مكان المفاوضات، حتى انبرى الإيرانيون ليحددوا جدول أعمال المفاوضات ببند واحد هو النووي، مسقطين بندين آخرين سبق لترامب وأعلنهما وهما الصواريخ الباليستية والسلوك الخارجي للنظام الإيراني أو ما عُرف بأذرع إيران الخارجية.

في أي حال، يتبين من هذه التطورات أننا أمام مسار غير واضح المعالم، ما يعني أن الذهاب إلى استنتاجات نهائية ما زال مبكرًا.

بيان جاهز ورسالة مقصودة من بعبدا

أما في لبنان، فنضع زيارة رئيس كتلة “حزب الله” البرلمانية لقصر بعبدا في إطار “المفاجأة”، ما يعني أن المزدوجين اللذين وردت الكلمة بينهما ضروري كي لا نقول بشكل مطلق إن لا مفاجأة في زيارة رعد للقصر الجمهوري، بل هي في إطار مناورة سبق لـ”حزب الله” أن اعتمدها كثيرًا في سلوكه في لبنان على مدى عقود كي يظهر ما يضمر، والسبب أن للضرورة لها أحكام.

أتاحت متابعة تفاصيل زيارة النائب رعد للرئيس عون أنه خرج من اللقاء ليتلو بيانًا مكتوبًا، جرى إعداده قبل صعود رعد إلى بعبدا. وهكذا، أصبحت كل العبارات في البيان تتحدث عن عالم افتراضي لا يعكس إطلاقًا أن ترتبط بما جرى فعليًا في لقاء بعبدا نفسه. وعندما جاء دور طرح الأسئلة رد رعد باقتضاب: “أكثر من هيك هلّق، ما بيسوى نكتر حكي، فيعطيكم العافية وإلى اللقاء وشكرًا لكم”.

يُستفاد من البيان الجاهز مسبقًا أن رعد أوصل رسالة، ظاهرها ترطيب الأجواء المتشنجة التي خيمت على العلاقات بين عون والحزب منذ إطلالة رئيس الجمهورية في حديثه التلفزيوني الشهر الماضي لمناسبة الذكرى الأولى لعهد جوزاف عون.

أتاحت متابعة تفاصيل زيارة النائب رعد للرئيس عون أنه خرج من اللقاء ليتلو بيانًا مكتوبًا، جرى إعداده قبل صعود رعد إلى بعبدا.

موقف رئاسي أربك الحزب

فعندما سُئل عون في ذلك الحديث: هل القرار 1701 في قراءاتكم يشمل منطقة شمال الليطاني؟ أجاب: “لقد سمعنا الكثير حول هذا القرار وقرار وقف إطلاق النار، أنا أريد أن أتطرق إلى موضوع السلاح بحد ذاته. لقد وجد من أجل مهمة معينة، ولم يكن الجيش موجودًا وقتها. الظرف الذي وجد فيه هذا السلاح لم يعد موجودًا، انتفى، والآن الجيش موجود. وسأذهب إلى أبعد من ذلك. كان هذا السلاح، برأي البعض، قادرًا على ردع إسرائيل وتحقيق الانسحاب ومنع الاعتداءات، فأنا معه. لكن بقاءه صار عبئًا على بيئته وعلى لبنان ككل. فلنتعقل ولنكن واقعيين، ولنقرأ بصورة صحيحة الظروف الإقليمية والدولية من حولنا”.

لم يشر بيان رعد لا من قريب ولا من بعيد إلى موقف رئيس الجمهورية هذا والذي أطاح صواب “حزب الله” طوال أسابيع خلت. لكن رعد حرص على التذكير بوجود السلاح من خلال القول: “إننا من موقعنا في “حزب الله” و”المقاومة الإسلامية”… حريصون على التفاهم والتعاون لما فيه تحقيق أهداف اللبنانيين جميعًا بدءًا من إنهاء الاحتلال وإطلاق الأسرى وتعزيز الاستقرار وعودة أهلنا إلى بيوتهم وقراهم وإطلاق ورشة الإعمار وتولي الدولة مسؤولية حماية السيادة، ومساندتها عند الاقتضاء، ورفض كل أشكال التدخل والوصاية”.

لا بد من ربط سلوك “حزب الله” في لبنان بسلوك مرجعيته في إيران. فإذا ما ذهبت الأخيرة إلى سلوك طريق المفاوضات مع “الشيطان الأكبر” بحسب توصيف النظام الإيراني، فمن باب أولى أن يكون “حزب الله” في الموقع الذي يخدم هذه الاستدارة من هذا النظام.

لم يشر بيان رعد لا من قريب ولا من بعيد إلى موقف رئيس الجمهورية هذا والذي أطاح صواب “حزب الله” طوال أسابيع خلت

حصر السلاح: قرار مؤجل أم بدأ التنفيذ؟

إلى أين ستتجه الأمور في لبنان في المرحلة الحالية من المفاوضات المعقدة بين طهران وواشنطن؟

بات مؤكدًا انطلاقًا من معطيات داخلية وإقليمية ودولية أن نهاية “حزب الله” كتنظيم مسلح باتت مقررة، وما جارٍ من أحداث يمضي في هذا الاتجاه.

ولن تتأخر المعلومات التي ستكشف عنها الأيام القليلة المقبلة حول المحادثات التي أجراها قائد الجيش العماد رودولف هيكل في الولايات المتحدة هذا الأسبوع كي تفيد أن قرار تطبيق خطة حصر السلاح شمالي نهر الليطاني باتجاه كل لبنان سيمضي قدمًا بدءًا من الأسبوع الحالي ولغاية حزيران المقبل، حيث من المقرر أميركيًا أن يصبح سلاح “حزب الله” في ذلك التاريخ خارج الخدمة.

وسيكون مسار تصفية الذراع الإيرانية في لبنان بعيدًا عن كل ما سيحصل بين الولايات المتحدة والنظام في طهران، وأيًا تكن نتائج المفاوضات التي ستنطلق وسط مخاض يبدو من الآن أنه لن يكون يسيرًا.

اخترنا لك