طرابلس المدينة المُفقَرة : صرخة غضب في وجه الإهمال ونداء لثورة أكثر وعيًا وجذرية

خاص بوابة بيروت

طرابلس، عروس الثورة و”الفقر”، المدينة التي كُتب عليها أن تموت ألف مرة ولا يُسمح لها أن تحيا مرة واحدة. مدينة تُسحق بين بحرٍ غاضب يغرق أبناءه، وتاريخٍ عظيم لا يحمي أهله، وواقعٍ قاسٍ لا يرحم أحدًا. هنا، لا يموت الناس فجأة، بل يتآكلون ببطء، تحت ثقل الإهمال، وتراكم الخيبات، وسقوفٍ متصدعة تنتظر لحظة السقوط كما ينتظر الفقراء معجزة لا تأتي.

في طرابلس، أغنى الأغنياء مرّوا من هنا، سكنوا قصورها، جمعوا ثرواتهم من عرق ناسها، ثم غادروها ببرود، كأنها محطة عابرة لا مدينة منكوبة. لم يفكر واحد منهم أن يعيد شيئًا لهذه المدينة، لا مصنعًا، لا مشروعًا، لا فرصة عمل تنقذ شابًا من الهجرة أو من الموت تحت الركام. تركوها للفقر، كأن الفقر قدرها الأبدي، وكأن أبناءها خُلقوا ليكونوا أرقامًا في نشرات الأخبار أو صورًا تحت الأنقاض.

تسقط مباني طرابلس اليوم، لا لأنها هرِمت فقط، بل كي لا تبقى شاهدة على عهر طبقة سياسية احترفت الكذب. جدران تتهاوى لتفضح خطابات فارغة، وسقوف تنهار لتكذّب وعودًا انتخابية تكررت حتى صارت إهانة. سياسيون يتراشقون الاتهامات نهارًا أمام الكاميرات، ثم يجتمعون ليلًا على موائد الوجاهة، يتقاسمون النفوذ، ويتبادلون الابتسامات، فيما أبناء طرابلس يدفنون موتاهم بأيديهم.

طرابلس ليست مدينة فقيرة، بل مدينة مُفقَرة. ليست مهمّشة صدفة، بل مُقصاة عن قصد. حُرمت من الدولة، من التخطيط، من الاستثمار، ومن الحد الأدنى من الكرامة. تُركت لتكون خزان غضب، وساحة استغلال، ومسرحًا للمزايدات، ثم يُطلب منها الصمت باسم “الاستقرار”، وكأن الصمت فوق الجوع فضيلة.

اليوم، ننعى طرابلس لا لنكتب مرثية، بل لنُطلق إنذارًا. ننعى مدينة تُقتل كل يوم، كي تفهم الدولة أن المدن لا تموت إلى الأبد، وأن القهر حين يبلغ مداه، يتحول إلى نار. ننعى طرابلس كي تولد من جديد، لا كضحية، بل كقوة تغيير. ننعى طرابلس كي تثور، لا عبثًا، بل وعيًا، لا تخريبًا، بل كسرًا لمنظومة قتلتها بدم بارد.

طرابلس تستحق تشرينًا جديدًا، أكثر نضجًا، أكثر جذرية، وأكثر صدقًا. تشرين لا يُخدَع بالشعارات، ولا يُباع بالفتات، ولا يُرهب بالترهيب. تشرين يقول بوضوح: هذه المدينة لن تموت بصمت بعد اليوم. إما حياة تليق بكرامة أهلها، أو غضب يزلزل عروش الإهمال.

اخترنا لك