طرابلس بين خطر الانهيار وواجب الحماية…

"قراءة قانونية ومسؤولية مشتركة"

خاص بوابة بيروت

لم تعد حوادث انهيار المباني في طرابلس، من القبة إلى التبانة، مجرد وقائع طارئة تُسجَّل في سجلات الكوارث، بل أصبحت مؤشراً خطيراً على خللٍ متراكم في إدارة السلامة العمرانية. فكل مبنى يسقط يطرح سؤالاً جوهرياً: هل كان بالإمكان منع الكارثة لو طُبّق القانون كما يجب؟

المشهد اليوم يتجاوز حدود الصدفة. تصدعات ظاهرة في بعض الأبنية، بنى تحتية متقادمة، غياب الصيانة، وضغط اقتصادي يمنع كثيراً من العائلات من الانتقال إلى مساكن أكثر أماناً. وبين هذا الواقع الاجتماعي القاسي، تبرز مسؤولية الدولة كضامنٍ أساسي للحق في الحياة والسكن الآمن — وهو حق لا يحتمل التأجيل.

واقع عمراني هشّ تحكمه ثغرات قانونية

تشير القراءة القانونية إلى أن المشكلة ليست في غياب التشريعات فقط، بل في الفجوة بين النص والتطبيق.

رغم أن قانون البناء وضع أُطراً لتنظيم التشييد، إلا أن المقاربة العمرانية على مدى سنوات مالت نحو تشجيع المشاريع الجديدة ذات الجدوى الاستثمارية، من دون بناء منظومة متكاملة لحماية الأبنية القديمة أو إلزامها بفحوص دورية. وهنا تكمن إحدى أخطر الثغرات: آلاف المباني المتقادمة تبقى خارج الرقابة المنتظمة حتى تظهر علامات الخطر.

ضعف التنفيذ والرقابة

القوانين تفقد قيمتها عندما لا تُدعَم بآليات تنفيذ واضحة. فالبلديات غالباً ما تواجه نقصاً في الموارد التقنية والمالية، ما يحدّ من قدرتها على إجراء كشف شامل أو فرض قرارات الإخلاء. كما أن تداخل الصلاحيات بين الجهات الرسمية قد يؤخر التدخل في الوقت الحاسم.

مسؤولية قانونية متعددة المستويات

بحسب المبادئ القانونية، تتوزع المسؤوليات على عدة أطراف:

   •   المالك مسؤول عن صيانة المبنى وعدم تركه في حالة تهدد السلامة العامة.
   •   البلدية مسؤولة عن الرقابة ومنح التراخيص واتخاذ الإجراءات عند ظهور الخطر.
   •   الجهات الرسمية معنية بوضع سياسات إسكان وخطط وقاية تحمي السكان، خصوصاً الفئات الأكثر هشاشة.

وعندما تتعطل إحدى هذه الحلقات، يتحول الخلل إلى خطرٍ جماعي.

لماذا يبقى السكان رغم الخطر؟

قد يبدو البقاء في مبنى متصدع قراراً غير مفهوم، لكنه في كثير من الأحيان ليس خياراً حراً.

الفقر، وارتفاع بدلات الإيجار، وغياب مشاريع الإسكان الميسّر تجعل الانتقال شبه مستحيل لبعض العائلات. كما أن الروابط الاجتماعية والانتماء للأحياء القديمة يدفعان كثيرين إلى التردد في المغادرة.

لكن العامل الأخطر هو الاعتياد على الخطر؛ فالتصدعات التي تُرى يومياً قد تفقد قدرتها على إثارة القلق، إلى أن تقع المأساة.

الحل يبدأ من القانون… لكن لا ينتهي عنده

معالجة هذه الأزمة لا تتطلب فقط قرارات طارئة، بل رؤية قانونية وتنفيذية متكاملة تعيد الاعتبار لمفهوم السلامة العامة.

أولاً: تدقيق وطني للأبنية القديمة

من الضروري إطلاق مسح هندسي شامل يحدد المباني الأكثر عرضة للخطر، لأن المعرفة الدقيقة هي الخطوة الأولى للوقاية.

ثانياً: فحوص إلزامية للسلامة الهيكلية

كما تُفرض معايير على الأبنية الجديدة، يجب اعتماد كشف دوري إلزامي للمباني التي تجاوزت عمراً معيناً، مع آلية قانونية تضمن تنفيذ التوصيات.

ثالثاً: دعم الصيانة الوقائية

لا يكفي تحميل المالك المسؤولية إذا كان عاجزاً مادياً. إنشاء صناديق دعم أو قروض ميسّرة للإصلاحات الهيكلية قد يمنع انهيارات قبل حدوثها.

رابعاً: تمكين البلديات

تعزيز القدرات التقنية ومنح صلاحيات واضحة للتدخل السريع يمكن أن يحوّل البلديات من جهة مراقبة محدودة إلى خط دفاع فعلي عن السلامة العامة.

خامساً: شفافية ومحاسبة

أي تحقيق في الانهيارات يجب أن يكون مستقلاً وواضحاً، لأن المساءلة لا تعيد ما فُقد، لكنها تمنع تكرار الخطأ.

وعي المواطنين، شريك أساسي في الوقاية

السلامة ليست مسؤولية الدولة وحدها. فوعي السكان قد يصنع الفارق بين الخطر والنجاة.

من الإشارات التي تستدعي التحرك السريع:

   •   تشققات كبيرة أو متزايدة في الجدران.
   •   هبوط في الأرضيات أو ميلان غير طبيعي.
   •   صعوبة في إغلاق الأبواب والنوافذ بسبب تغيّر الهيكل.
   •   تسرب مياه يؤثر في الأعمدة والأساسات.

الإبلاغ المبكر عن هذه المؤشرات وطلب كشف هندسي قد يمنع كارثة.

كما أن التعاون مع قرارات الإخلاء “رغم صعوبته” يبقى أحياناً الخيار الأكثر أماناً.

من ردّ الفعل إلى ثقافة الوقاية

تكشف انهيارات طرابلس حاجة ملحّة للانتقال من إدارة الأزمات بعد وقوعها إلى منعها قبل أن تبدأ. فالمدن الآمنة لا تقوم على الحظ، بل على تخطيطٍ يحترم القانون ويضع حياة الإنسان فوق أي اعتبار.

إن حماية السكان ليست مجرد واجب إداري، بل معيار لمدى فاعلية الدولة وعدالة سياساتها. وبين مسؤولية القانون ووعي المجتمع، تتشكل المعادلة التي يمكن أن تنقذ مدناً كاملة من تكرار المشهد نفسه.

طرابلس اليوم لا تطلب المستحيل، بل حقاً بسيطاً، أن تبقى البيوت مكاناً للحياة، لا احتمالاً دائماً للخطر.

اخترنا لك