خاص بوابة بيروت

كاتب وناشط سياسي
في مشهدٍ موجع لم تألفه المدينة من قبل، بدأت ملامح الغضب تتشكّل في طرابلس، بعد انهيار مبنى جديد فوق ساكنيه خلال أقل من شهر، ومع تصاعد الهواجس من احتمال سقوط عشرات الأبنية الآيلة للسقوط، في مدينةٍ تُركت لمصيرها.
طرابلس… المدينة الأفقر في لبنان، فيما يتصدّر زعماؤها لوائح الأغنياء.
مدينةٌ كُتب عليها أن تدفع الثمن دائمًا: ثمن الحرمان، والبؤس، والإهمال المتراكم عبر سنوات طويلة.
طرابلس، التي كانت يومًا عروس المتوسّط، غدت اليوم مدينةً جريحة، تحتاج إلى من يمدّ لها يد الرعاية لا إلى مزيد من الوعود. تختنق تحت وطأة أزمة اقتصادية خانقة، وأزمة سياسية عميقة، تتجلّى فصولها الأشد قسوة في ملف السجناء الموقوفين منذ سنوات في سجن رومية وغيره دون محاكمة، ما فاقم الفقر، وعمّق الإحساس بالظلم.
وبفعل سياسات التهميش والإقصاء، دُفع أبناؤها إلى الهروب من الوطن، عبر البحر، في رحلات موت ابتلعت أحلام الكثيرين منهم. كما هاجر الآلاف منذ عقود، ولا سيما إلى أستراليا، تاركين خلفهم مدينةً تنزف أبناءها واحدًا تلو الآخر.
اليوم، طرابلس تصرخ في وجه قاتليها، في وجه من تولّى السلطة يومًا وكان من أبنائها، لكنه عجز عن انتشالها من قاع الحرمان، ولم يقدّم لها حلًا يليق بتاريخها ومعاناة أهلها.
قد يكون الأمل قريبًا عبر إعادة فتح مطار القليعات، أو من خلال تفعيل مرفأ طرابلس بالتوازي مع إعادة إعمار سوريا.
وقد يكون الخلاص في نهوض حلب كمدينة صناعية واعدة على الحدود السورية، بما يوفّر فرص عمل لأبناء طرابلس، في ظل الغياب الفاضح للدولة اللبنانية عن مسؤولياتها.
وقد يكمن الحل أيضًا في إعادة إحياء معرض رشيد كرامي الدولي، وفتح مصانع ومعامل تعيد الروح إلى شرايين المدينة المنهكة.
لكن، اليوم لا غدًا، طرابلس التي تتهاوى مبانيها فوق رؤوس ساكنيها، تحتاج إلى خطة طوارئ سكنية عاجلة، تؤمّن المأوى لآلاف العائلات المشرّدة بسبب تصدّع الأبنية، ولا سيما أننا لا نزال في قلب فصل الشتاء.
الحل مطلوب فورًا.
سقوط الضحايا لم يعد مقبولًا.
وكرامة الإنسان أغلى من أن تُهدَر بحجّة توفير ملايين الدولارات.
اليوم، على الدولة أن تعلن حالة طوارئ سكنية، بدل الاستمرار في منح صكوك البراءة لمن استغلّ قروض الإسكان، وبنى بها مجمّعات فاخرة في ضواحي بيروت، ثم سدّدها على سعر صرف وهمي.
طرابلس لم تعد تحتمل…
ودماء أبنائها لن تكون أرقامًا.