“حزب الله” بعد سقوط الأسد : من ذراع عسكرية إلى شبكة إرهاب وتمويل وجريمة منظمة عابرة للقارات

قراءة "قانونية - صحفية" (1)

خاص بوابة بيروت

في 8 كانون الأول – ديسمبر 2024 انهار نظام الديكتاتور بشار الأسد في سورية، لتنتهي مرحلة كاملة كانت البلاد خلالها ساحة نفوذ مفتوحة لإيران وأذرعها المسلحة، وتبدأ مرحلة انتقالية أفضت إلى طرد الوجود الميليشيوي الإيراني وفتح ملف بالغ الحساسية حول مصير الشبكات الإجرامية والإرهابية التي تمدّدت تحت غطاء الحرب والفوضى وانهيار الدولة.

غير أنّ الصدمة الاستراتيجية التي تلقّاها حزب الله نتيجة خسارته عمقه الأسدي لم تُترجم انسحابًا أو تراجعًا، بل كشفت عن حقيقة أكثر خطورة: تنظيم لا يقوم نفوذه على الجغرافيا وحدها، بل على منطق عابر للحدود بُني خلال سنوات الصراع، يجمع بين اقتصادٍ موازٍ، وتمويلٍ ظلّي، وشبكات تهريب وتبييض أموال، وواجهات تجارية وأمنية، إضافة إلى أدوار عسكرية واستخبارية تتنقّل حيث تتوافر الفوضى والفراغ المؤسسي وضعف الرقابة.

هذه ليست مقالة خلاف سياسي مع حزب لبناني، بل توصيف قانوني – صحافي موثّق لسلوك تنظيمي مُصنَّف على لوائح الإرهاب الدولية والعربية، ويُلاحَق دوليًا بوصفه جزءًا من منظومات تمويل غير مشروع، وعنف مسلح، وإرهاب عابر للقارات. توصيف يستند إلى وقائع منشورة، وإجراءات عقابية، وقرارات أممية، واتفاقيات دولية نافذة، لا إلى شعارات أو مواقف أيديولوجية.

أولًا : سورية بعد الأسد… من “ساحة مفتوحة” إلى “خلايا ما بعد الانكشاف”

لسنوات طويلة شكّلت سورية بالنسبة لحزب الله ممرًا لوجستيًا وعمقًا عملياتيًا على تماس مباشر مع الجغرافيا اللبنانية، كما مثّلت حلقة مركزية في سلسلة الإمداد العابرة للحدود التي تربط “وفق توصيفات متداولة في تقارير أمنية وإعلامية” بين طهران وبغداد ودمشق وبيروت، بما يشمل نقل خبرات وتسليح وتجنيد وتثبيت نفوذ تحت غطاء الحرب والانهيار المؤسسي.

ومع انهيار حقبة حكم عائلة الأسد ودخول سورية مرحلة انتقالية، تزايدت مؤشرات على أن الشبكات التي تمدّدت في زمن الحرب لا تختفي دفعة واحدة، بل تُعيد التموضع عبر أنماط عمل سرّية: خلايا صغيرة، مخازن، منصات إطلاق، تهريب، وتدوير للواجهات… يتبعها “غالبًا” إنكار وتضليل ومحاولات لاستثمار الانقسام المجتمعي والتحريض الطائفي لخفض كلفة الانكشاف.

وفي هذا السياق، برزت خلال أيلول – سبتمبر 2025 تقارير سورية محلية تحدثت عن توقيف خلية قرب دمشق وضبط صواريخ وعتاد، مع نفي حزب الله لأي صلة بها.

ثم جاءت واقعة أحدث وأكثر حساسية أواخر يناير – مطلع فبراير 2026، إذ أعلنت وزارة الداخلية السورية تفكيك “خلية” واعتقال أفرادها بعد هجمات صاروخية استهدفت منطقة المزة ومطار المزة العسكري في دمشق، وقالت السلطات إن الأسلحة “المسيّرات” مرتبطة بمصدر لبناني ونسبتها إلى حزب الله، بينما ردّ الحزب ببيان نفي.

وبغضّ النظر عن المآلات القضائية النهائية لهذه الملفات، فإن نمط “الخلايا بعد الانكشاف” يحمل دلالة قانونية واضحة: استخدام صواريخ – متفجرات – طائرات مسيّرة ضد أحياء مأهولة أو مرافق عسكرية داخل مدينة يندرج، وفق المعايير الدولية المتعارف عليها في مكافحة الإرهاب، ضمن العنف المنظّم الذي يستهدف بث الرعب والإخلال بالأمن العام، ويمتلك “إذا ارتبط بشبكات تمويل وتهريب” خصائص الجريمة المنظمة العابرة للحدود.

خلاصة هذا المحور: ما بعد سقوط الغطاء السياسي في سورية لا يعني انتهاء الشبكات، بل انتقالها إلى بنية “أقل حجمًا وأكثر سرية”، مع بقاء المنطق نفسه: عنف – تمويل – تهريب – إنكار… وهي العناصر التي تجعل الملف قابلًا للوصف باعتباره تهديدًا منظّمًا يتجاوز الحدود لا مجرد امتدادٍ لصراع محلي.

ثانيًا : لبنان… “اقتصاد ظلّ” يسبق البندقية ويمنحها حصانة الدولة

التحوّل الأخطر في بنية حزب الله داخل لبنان لا يقتصر على احتفاظه بالسلاح خارج إطار الدولة، بل يتمثّل في بناء منظومة موازية تُمسك بالقرار عبر الاقتصاد والمال والإدارة والنفوذ الأمني، بما يسمح للتنظيم بالعمل تحت سقف الدولة ومن خلال ثغراتها، لا في مواجهتها المباشرة.

فعلى المستوى المالي، رسّخ الحزب خلال السنوات الماضية اقتصاد ظلّ متكامل الأركان “مصارف غير نظامية، جمعيات، شبكات صرافة، واجهات تجارية، وأنشطة عبر الحدود” يؤمّن له التمويل والاستمرارية، ويخفّف أثر العقوبات والحصار وتقلّبات الإقليم. هذا الاقتصاد لا يعمل في الفراغ، بل يستفيد من هشاشة الرقابة الرسمية وتداخل السلطات، ما يحوّله إلى رافعة نفوذ سياسي–أمني بقدر ما هو مورد مالي.

في هذا السياق، أعلنت الولايات المتحدة عبر وزارة الخزانة “OFAC” في 3 تموز – يوليو 2025 فرض عقوبات على سبعة مسؤولين كبار وكيان مرتبطين بمؤسسة “القرض الحسن” الخاضعة لسيطرة حزب الله، باعتبارها جزءًا من منظومة التفاف مالي منظّم.

كما أفادت رويترز في 28 آذار – مارس 2025 بعقوبات أميركية جديدة استهدفت “فريق التمويل” لدى الحزب وشبكات مرتبطة بمشاريع تجارية وتهريب نفط تموّل أنشطته، قبل أن تُستكمل هذه الإجراءات بحزمة إضافية في 6 تشرين الثاني – نوفمبر 2025 طالت جهات وأفرادًا وُصِفوا بأنهم يستغلون قنوات اقتصادية ومالية مرتبطة بالحزب.

لكن البعد المالي لا ينفصل عن الغطاء المؤسسي. إذ تُظهر الوقائع المتراكمة أن حزب الله عمل “على مدى سنوات” على زرع شبكة نفوذ وتحالفات داخل مؤسسات الدولة، المدنية والعسكرية والأمنية، بما يضمن له:

• حماية حركة وتنقّل عناصره ومساراته اللوجستية
• تقليص مخاطر الملاحقة أو تأخيرها أو تفريغها من مضمونها
• إدامة قنوات اتصال غير رسمية تسمح له بالعمل حتى حين يتحوّل إلى نمط أكثر سرّية

هذا الإمساك لا يُمارَس بالضرورة عبر أوامر مباشرة، بل من خلال تراكم النفوذ، وتبادل المصالح، وسياسة الأمر الواقع، ما يُنتج عمليًا حصانة وظيفية تتحقّق داخل الدولة ومن خلال بعض أجهزتها، لا خارجها. وهنا تتبدّى الإشكالية القانونية: دولة ذات سيادة اسمًا، لكنّها عمليًا مُخترَقة بمنظومة غير رسمية تمتلك القدرة على التعطيل والحماية والتجاوز.

من منظور القانون الدولي، يضع هذا الواقع لبنان أمام إخلال جوهري بالالتزامات الناشئة عن قرارات مجلس الأمن، ولا سيما القرار 1373 “2001”، الذي يُلزم الدول بمنع توفير أي ملاذ أو دعم “مادي أو مؤسسي” للأعمال الإرهابية، وبضمان أن لا تتحوّل مؤسساتها إلى غطاء أو قناة تسهيل.

كما يتقاطع هذا الوضع مع أحكام اتفاقية “باليرمو – 2000” حين يتداخل العنف المسلح مع غسل الأموال والتهريب ضمن بنية منظّمة تستفيد من ضعف الرقابة.

مسؤولية الدولة عند الاختراق: المعيار الدولي والإخلال بالواجب

من منظور القانون الدولي العام، لا تُقاس مسؤولية الدولة فقط بما تُعلنه من مواقف أو ما تُقرّه من نصوص، بل بما تمارسه فعليًا من سيطرة وسلطان فعّال على أراضيها ومؤسساتها. وعندما تسمح دولة “عجزًا أو تواطؤًا أو خضوعًا لواقع الأمر” بأن تعمل داخلها جماعة مسلّحة منظّمة خارج إطار الشرعية، مع توفير حماية مباشرة أو غير مباشرة لتحركاتها وتمويلها، فإنها تدخل في نطاق الإخلال بالالتزامات الدولية.

يُقرّ قرار مجلس الأمن رقم 1373 “2001” التزامًا واضحًا على عاتق الدول يتمثّل في منع أي شكل من أشكال الدعم أو التسهيل أو الحماية للأعمال الإرهابية، بما في ذلك الامتناع عن توفير الملاذ الآمن، وضمان ألا تُستغل المؤسسات الرسمية “العسكرية أو الأمنية أو المالية” كقنوات عبور أو تغطية. وعليه، فإن التقاعس المنهجي عن ضبط حركة جماعة مسلّحة، أو غضّ الطرف عن اقتصادها الموازي، أو السماح لها بالعمل بسرّية تحت مظلة الدولة، يُعدّ إخلالًا إيجابيًا بالواجب الدولي، لا مجرد ضعف إداري.

كما تُحيل الاتفاقية الدولية لقمع تمويل الإرهاب “1999” إلى مسؤولية الدول في تجريم ومنع أي نشاط مالي يُسهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، في دعم العنف المسلح الموجّه ضد المدنيين أو السلم العام. وفي هذا الإطار، لا يقتصر التجريم على الفاعل المباشر، بل يمتدّ إلى كل بنية تسهيل تسمح بجمع الأموال أو نقلها أو تدويرها أو حمايتها من الرقابة، بما في ذلك استخدام جمعيات أو مؤسسات “اجتماعية” أو مالية كواجهات.

أما اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية “باليرمو – 2000″، فتُوسّع دائرة المسؤولية حين يتقاطع العنف المسلح مع غسل الأموال، والتهريب، واستغلال النفوذ داخل مؤسسات الدولة. إذ تُعدّ المشاركة أو المساهمة أو التسهيل “حتى من دون انخراط مباشر في الفعل العنيف” جزءًا من الجريمة المنظمة متى ثبت وجود هيكل تنظيمي، واستمرارية، وهدف ربحي أو نفعي.

وبتطبيق هذه المعايير على الحالة اللبنانية، يبرز إشكال قانوني مركزي: دولة تُقرّ رسميًا باحتكار السلاح، لكنها عمليًا تفقد القدرة أو الإرادة على فرض هذا الاحتكار، وتلتزم دوليًا بمكافحة تمويل الإرهاب، لكنها تشهد اقتصاد ظلّ يعمل علنًا، وتملك أجهزة أمنية رسمية، لكنّها تعمل في بيئة اختراق سياسي وأمني يمنح جماعة مسلّحة حصانة واقعية. هذا الواقع لا يضع المسؤولية على الدولة ككيان فقط، بل يفتح الباب “وفق القانون الدولي” لمساءلة المسؤولين والكيانات والأفراد الذين يثبت تورّطهم في التسهيل أو الحماية أو الامتناع المتعمّد عن إنفاذ القانون.

الخلاصة القانونية

حين تتحوّل الدولة من حاجز أمام الإرهاب إلى بيئة نافذة له “ولو بالصمت أو العجز” فإنها لا تبقى خارج دائرة المساءلة. فالقانون الدولي لا يعترف بحيادٍ زائف أمام الإرهاب المنظّم، ولا يقبل بحجّة “الخصوصية الداخلية” عندما يتعلّق الأمر بتهديد عابر للحدود يمسّ السلم والأمن الدوليين.

ينبع…

اخترنا لك