“حزب الله” بعد سقوط الأسد : من ذراع عسكرية إلى شبكة إرهاب وتمويل وجريمة منظمة عابرة للقارات

قراءة "قانونية - صحفية" (2)

خاص بوابة بيروت

في 8 كانون الأول – ديسمبر 2024 انهار نظام الديكتاتور بشار الأسد في سورية، لتنتهي مرحلة كاملة كانت البلاد خلالها ساحة نفوذ مفتوحة لإيران وأذرعها المسلحة، وتبدأ مرحلة انتقالية أفضت إلى طرد الوجود الميليشيوي الإيراني وفتح ملف بالغ الحساسية حول مصير الشبكات الإجرامية والإرهابية التي تمدّدت تحت غطاء الحرب والفوضى وانهيار الدولة…

ثالثًا: اليمن والعراق… شراكات قتالية تحت المظلّة الإيرانية وخبرات تتنقّل حيث تتوافر الحرب

في اليمن، لم يعد الحديث عن “مستشارين” أو “خبرات” مسألة توصيف إعلامي، بل أصبح نمطًا عملياتيًا متكرّرًا في تقارير أممية وإقليمية يربط بين نقل المعرفة القتالية وتطوير القدرات لدى الحوثيين، بما يشمل مجالات الصواريخ والطائرات المسيّرة والحرب غير المتناظرة وإدارة ساحات القتال. هذا النمط لا يقوم على تبادل عابر للخبرة، بل على شراكة وظيفية تُدار ضمن منظومة دعم إيرانية واحدة، يكون فيها حزب الله حلقة تدريب وإسناد وتنفيذ بحكم خبرته المتراكمة وقدرته على العمل خارج الجغرافيا اللبنانية.

تُظهر وثائق فريق الخبراء المعني باليمن “ضمن منظومة مجلس الأمن” اتساع نطاق التدريب وبناء القدرات لدى الحوثيين وتحويل بيئة الحرب إلى سوق خبرات مغلق، حيث تنتقل التقنيات والتكتيكات من مسرح إلى آخر بسرعة عالية. وفي الإعلام الإقليمي، نُشرت تقارير تتحدّث عن أدوار تدريبية وإشرافية منسوبة لقيادات مرتبطة بحزب الله في سياق صراع متداخل، بما يعكس تقاسم أدوار: إيران توفّر الإطار الاستراتيجي والتمويل والتسليح، وحزب الله يقدّم الخبرة التطبيقية ونقل المعرفة الميدانية.

أما في العراق، فيتجلّى التكامل نفسه ضمن مشهد أكثر تعقيدًا سياسيًا. فالعلاقة بين حزب الله والأذرع الإيرانية هناك لا تُختزل بالدعم المعنوي، بل تتّخذ شكل تناغم عملياتي في التدريب والإسناد وتبادل الخبرات، ضمن شبكة تعمل تحت قيادة وتوجيه الحرس الثوري “فيلق القدس”. ويزداد هذا الواقع وضوحًا حين تتحوّل الساحات العراقية إلى محطات عبور للخبرات والقدرات بين إيران وسورية ولبنان واليمن، بما في ذلك نقل تقنيات وتكتيكات واستخدام واجهات محلية لتخفيف كلفة الانكشاف.

الدلالة الأبرز هنا أنّ التذبذب السياسي داخل الدولة العراقية “حيث تُطرح قرارات تصنيف أو تجميد أصول ثم تُسحب تحت ضغط الصراع الداخلي” لا يُعدّ تفصيلاً بيروقراطيًا، بل شرطًا مُغذّيًا لاستمرار الشبكات العابرة للحدود. فهذه الشبكات لا تزدهر بقوة الدولة، بل بضعفها وتناقضاتها، وتستثمر المساحات الرمادية بين القرار السيادي والواقع الميداني.

توصيف قانوني: من “دعم حليف” إلى “إرهاب منظّم عابر للحدود”

قانونيًا، فإن نقل الخبرات القتالية، والتدريب، والإسناد اللوجستي، وتوفير التسليح أو المعرفة التقنية لجماعات مسلّحة خارج إطار الدولة، يندرج ضمن الدعم المادي للإرهاب متى ارتبط بأفعال تستهدف المدنيين أو السلم العام أو تسعى لإكراه حكومات. ويتعزّز هذا الوصف عندما يجري الدعم ضمن بنية مستمرة ذات قيادة وموارد وتمويل، ما يضعه في خانة الإرهاب المنظّم المتقاطع مع الجريمة المنظمة العابرة للحدود.

خلاصة هذا المحور: في اليمن والعراق، لا يعمل حزب الله كفاعل مستقل، بل كجزء من منظومة إقليمية واحدة تُدار إيرانيًا، تتقاسم الأدوار بين التخطيط والتمويل والتدريب والتنفيذ. إنها شراكات قتال لا تعترف بالحدود، وتتحرّك حيث تتوافر الحرب، وتستفيد من هشاشة الدول وتناقضاتها، وهو ما يجعلها، وفق المعايير الدولية، تهديدًا منظّمًا عابرًا للسيادة والجغرافيا.

رابعًا: أميركا اللاتينية… حيث المال أسهل من السلاح، وحيث تتحوّل الشبكات إلى “اقتصاد عمليات”

في أميركا اللاتينية يبرز حزب الله “وفق ما تخلص إليه دراسات بحثية وتقارير حكومية” كقصة تمويل وتهريب وبنى مالية غير رسمية أكثر من كونه “جبهة قتال” تقليدية. فهنا لا يحتاج التنظيم إلى استعراض عسكري، يكفيه أن يبني أذرعًا مالية ولوجستية داخل بيئات رخوة الحدود وضعيفة الرقابة، وأن يختلط بالاقتصاد غير الرسمي عبر واجهات تجارية، صرافة، تهريب سلع، تبييض أموال، وتهرّب من العقوبات.

ويشير تقرير مركز RAND الأمريكي في طمارس “آذار 2025” إلى أن “المنطقة الثلاثية الحدود” ما بين “الأرجنتين – الباراغواي – البرازيل” شكّلت تاريخيًا مساحة مواتية لتهريب وتبييض وتزوير وثائق وتهريب سلع، مع استمرار تداول الحديث عن شبكات مرتبطة بالحزب ضمن سياق أوسع للجريمة المنظمة.

وتُعزّز الولايات المتحدة هذا المسار عمليًا عبر برنامج “مكافآت من أجل العدالة”، إذ أعلنت في 19 مايو – أيار 2025 عن مكافأة تصل إلى 10 ملايين دولار مقابل معلومات تعطل شبكات حزب الله المالية في منطقة المثلث الحدودي، وهو اعتراف ضمني بأن جوهر التهديد هناك مالي–تشغيلي قبل أن يكون عسكريًا.

فنزويلا وكولومبيا: “ذهب غير مشروع – كريبتو – واجهات”

أما فنزويلا فتظهر “في الأدبيات البحثية” بوصفها بيئة “مُرخّصة” لعمل الظل، حيث يتقاطع الاقتصاد غير الرسمي مع الذهب والتهريب وتدوير الأموال، وتتحول الدولة الضعيفة أو المُسيَّسة إلى مظلة تسهّل الحركة بدل أن تضبطها.

وفي سبتمبر – أيلول 2023 أعلنت الخزانة الأميركية فرض عقوبات على شبكة تربط لبنان بأميركا الجنوبية، وذكرت ضمن البيان “التغطيات” أن بعض القنوات تم تشغيلها عبر أعمال تجارية في كولومبيا وتحويل عائدات لصالح حزب الله، مع الإشارة إلى امتدادات مرتبطة بفنزويلا واستخدام خدمات واستشارات في مجال العملات الرقمية ضمن منظومة التدوير المالي، وهي صورة نموذجية لاقتصاد “الواجهات” الذي يعمل بعيدًا عن النظام المصرفي التقليدي.

نيكاراغوا وأمريكا الوسطى: بيئات حليفة تُسهِّل “الحضور الناعم”

بالنسبة إلى نيكاراغوا ، تَرد في بعض الشهادات والملفات السياسية والأمنية الغربية بوصفها ضمن قائمة دول تشهد نشاطًا أو اهتمامًا إيرانيًا مواليًا لإيران في الإقليم، مع تحذيرات من استغلال العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية لتوفير شروط تسهّل حركة الشبكات أو تغطيتها، حتى لو كان الجزء الأكبر من الأدلة العلنية التفصيلية يظلّ أقل كثافة من ملفات المثلث الحدودي وفنزويلا.

“الشتات” كرافعة: استغلال الروابط الطائفية والروابط العائلية دون تجريم جماعي

والأخطر هنا ليس وجود جاليات مهاجرة بحد ذاته “فهذه ليست إدانة لمجتمع مهاجر” بل قابلية بعض الشبكات لاستغلال الروابط الاجتماعية والعائلية في بناء وسطاء ماليين، وسماسرة تجارة، وواجهات، ومنظومات حوالة، بما يتيح تدوير الأموال وتوفير الخدمات اللوجستية تحت غطاء شرعي ظاهري. وهذا النمط تذكره الأدبيات البحثية عند مناقشة “النموذج الهجين” الذي يجمع بين العمل السياسي – الأيديولوجي وعمليات التمويل غير المشروع.

تقاطع المصالح مع العصابات والكارتيلات: “تلاقي المنفعة” لا “تحالف معلن”

وفي ما يتصل بالحديث عن العصابات والكارتيلات، الأكثر صرامة قانونيًا أن نقول: إن عدداً من الدراسات والتقارير تناقش تقاطعات مصالح بين شبكات تمويل مرتبطة بجماعات مصنّفة إرهابيًا وبين اقتصاد المخدرات والتهريب في أميركا اللاتينية، حيث تلتقي الحاجة إلى غسل الأموال وتهريب السلع والذهب والكوكايين مع الحاجة إلى شبكات نقل وتزوير ووكلاء محليين.

وهذا “التلاقي” قد يأخذ شكل خدمة مقابل عمولة أو ضريبة مرور أو “حماية” أو استخدام آليات مثل “Black Market Peso Exchange”، بحسب ما يُنقل في بعض المواد التحليلية.

المكسيك: مسارات غسل الأموال الإقليمية لا تتوقف عند حدود دولة

أما المكسيك، فحضورها هنا يرتبط أساسًا بطبيعة الإقليم ككل: فهي عقدة مركزية في اقتصاد الكارتيلات ومسارات غسل الأموال التي تتزايد فيها أدوات مثل العملات الرقمية، وهو ما يجعلها جزءًا من البيئة المالية الإقليمية التي يمكن أن تتقاطع معها شبكات غسل الأموال العابرة للحدود، حتى عندما تكون “الخلايا” الأساسية متمركزة في مناطق أخرى كالمثلث الحدودي أو فنزويلا. “هنا نربطها بالمنطق الإقليمي لغسل الأموال لا بادعاء ثابت عن “هيكل حزبي” مكشوف داخل المكسيك”.

الخلاصة، في أميركا اللاتينية لا يتحرك حزب الله “بحسب ما تشير إليه هذه المراجع” كقوة عسكرية ظاهرة، بل كمنظومة مال “تهريب” وواجهات تستفيد من رخاوة الحدود ومن اقتصاد الجريمة المنظمة، وتجد في بعض البيئات السياسية والاقتصادية مساحات مريحة للعمل “الناعم”. هذا ما يجعل التهديد هنا شبكيًا، صعب الإمساك به بعملية أمنية واحدة، وأسهل تفكيكًا عبر تتبع المال، والواجهات، وسلاسل الإمداد، وجرائم غسل الأموال.

… يتبع

اخترنا لك