خاص بوابة بيروت

صحافي استقصائي وباحث في حقوق الانسان
في 8 كانون الأول – ديسمبر 2024 انهار نظام الديكتاتور بشار الأسد في سورية، لتنتهي مرحلة كاملة كانت البلاد خلالها ساحة نفوذ مفتوحة لإيران وأذرعها المسلحة، وتبدأ مرحلة انتقالية أفضت إلى طرد الوجود الميليشيوي الإيراني وفتح ملف بالغ الحساسية حول مصير الشبكات الإجرامية والإرهابية التي تمدّدت تحت غطاء الحرب والفوضى وانهيار الدولة…
خامسًا: أفريقيا… تحويل الاغتراب إلى قناة تمويل
في غرب أفريقيا وأجزاء أخرى من القارة، تتناول تحقيقات صحفية وأوراق بحثية متخصصة مسألة توظيف شبكات التجارة والاغتراب في بناء اقتصادٍ موازٍ يتقاطع مع غسل الأموال والتهريب “ألماس، ذهب، أخشاب، وسلع عالية القيمة”، مع صعوبة تقدير الحجم الحقيقي للنشاط بسبب طابعه غير الشفاف واعتماده على واجهات تجارية وآليات تحويل غير نظامية.
ويَرِد ذكر هذا النمط، بدرجات متفاوتة، في دول مثل ساحل العاج، غينيا، سيراليون، السنغال، غامبيا، بنين، إضافة إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية، حيث تُستغل قطاعات الموارد الطبيعية والأسواق غير الرسمية كقنوات محتملة لتدوير العائدات.
وتُشير مراكز بحثية وتقارير دولية إلى أن هشاشة أطر مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في أجزاء من أفريقيا “سواء لقصور تشريعي أو ضعف إنفاذ أو اتساع الاقتصاد غير الرسمي” تُسهِّل تحويل بعض هذه الأسواق إلى نقاط إسناد مالي تُغذّي شبكات عابرة للحدود. ويقوم هذا النموذج على شركات واجهة، وسطاء محليين، تضخيم/تخفيض فواتير، سلاسل توريد متعرّجة، واعتماد مكثّف على النقد، بما يصعّب التتبع ويمنح الشبكات قدرة على “الاندماج” داخل السوق بدل الظهور ككيانات منفصلة.
الخلاصة، في أفريقيا، يبرز النشاط المرتبط بحزب الله “وفق هذه المقاربات” كمنظومة تمويل وإسناد مالي تستثمر في اقتصاد الظلّ وشبكات التجارة والاغتراب، ما يجعل المواجهة الفعّالة مرهونة بتجفيف القنوات المالية وتعزيز إنفاذ أطر مكافحة غسل الأموال، لا بملاحقة مظاهر عسكرية قد تكون محدودة أو غير ظاهرة.
الإطار القانوني الدولي: لماذا لا تُعدّ هذه “مقاومة” في نظر القانون؟
القانون لا يعترف بالمسميات ولا يلتفت إلى الشعارات، بل يحاكم الأفعال ونتائجها. وأي عنفٍ يستهدف المدنيين، أو يُموَّل عبر تهريبٍ أو غسل أموال أو اقتصادٍ إجرامي، يسقط فورًا خارج أي توصيف مشروع، ولا تمنحه صفة “مقاومة” ولا حصانة “قضية”.
وخلال العقود الأخيرة، شيّدت المنظومة الدولية إطارًا قانونيًا صارمًا لا يترك مجالًا للالتفاف: تمويل الإرهاب، وتسهيله، وتغطيته، جرائم قائمة بذاتها، حتى قبل وقوع الفعل العنيف.
1 – قرار مجلس الأمن 1373 “2001”، هذا القرار لا يكتفي بإدانة الإرهاب، بل يفرض التزامات مُلزِمة على جميع الدول: تجريم التمويل، منع الملاذ الآمن، حظر الدعم اللوجستي، تعطيل التدريب والتسليح والتنقّل، وضمان ألا تتحوّل أراضي الدول أو مؤسساتها إلى ممرات أو أغطية لجماعات مسلّحة. وبموجب هذا القرار، لا يُسأل الفاعل المباشر وحده، بل كل من سهّل أو تقاعس أو وفّر حماية فعلية.
2 – الاتفاقية الدولية لقمع تمويل الإرهاب “1999”، تضع هذه الاتفاقية حدًّا فاصلاً لا لبس فيه: التمويل جريمة مستقلة، سواء استُخدم المال أم لم يُستخدم بعد، وسواء أُنفِق على سلاح أو تدريب أو دعاية أو واجهات. والأهم: لا يجوز تبرير هذه الجرائم بدافع سياسي أو أيديولوجي أو ديني. أي أن “الغاية” لا تبرّر الوسيلة، ولا تُبيّض المال ولا الدم.
3 – اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية “باليرمو – 2000” حين يتداخل السلاح مع غسل الأموال والتهريب والواجهات التجارية، لا يعود الحديث عن “حركة مقاومة”، بل عن جماعة إجرامية منظّمة ذات هيكل واستمرارية وموارد. وتُجرّم الاتفاقية ليس فقط التنفيذ، بل المشاركة والتسهيل والتغطية، وتُلزم الدول بالتعاون القضائي وتبادل الأدلة والملاحقة العابرة للحدود.
4 – اتفاقية فيينا 1988 لمكافحة الاتجار غير المشروع بالمخدرات، هذه الاتفاقية تُغلق الدائرة: فحين تُستخدم المخدرات أو عائداتها في تمويل السلاح والعنف، يصبح المخدرات “غسل الأموال” الإرهاب سلسلة واحدة لا تنفصم. وتتحوّل ملاحقة العائدات وتجفيف المنابع إلى واجب دولي، لا خيارًا سياسيًا.
وعليه، عندما تتقاطع جماعة مسلّحة مع منظومات تمويل غير مشروع “تهريب، غسل أموال، التفاف على العقوبات، اقتصاد ظلّ” فإنها تدخل قانونيًا وموضوعيًا في نطاق الجريمة المنظمة العابرة للحدود، قبل أي نقاش حول “الهوية” أو “الشعار” أو “السردية”.
الخلاصة في ميزان القانون الدولي، لا وجود لكيان مسلّح “بين بين:”
إمّا عملٌ مشروع خاضع للدولة والقانون، وإمّا تنظيم إرهابي وإجرامي يعمل كسُلطة موازية “دولة داخل الدولة، وشبكة داخل الشبكات” ويُلاحَق ليس بسبب مواقفه، بل بسبب أفعاله وبنيته وتمويله.
بعد سقوط نظام الأسد، لم يعد السؤال الحقيقي: هل خسر حزب الله سورية؟
بل السؤال الأخطر والأكثر إلحاحًا: هل يمتلك لبنان والمنطقة والمجتمع الدولي الإرادة والقدرة على تفكيك الأذرع الإيرانية المسلحة او تفكيك الاقتصاد الموازي لحزب الله الذي يُبقي هذا التنظيم حيًّا، ويتيح له تعويض خسائره في جبهةٍ عبر أرباحه في قارة أخرى؟
ما تكشفه سنوات 2025 و 2026 “من وثائق رسمية، وعقوبات دولية، وتقارير بحثية وأمنية” ليس مجرد سلسلة إجراءات متفرقة، بل إدانة بنيوية : حزب الله لم يعد يعتمد على السلاح وحده، بل على منظومة مال وتهريب وغسل أموال وواجهات اقتصادية تمتد من الشرق الأوسط إلى أفريقيا وأميركا اللاتينية، وتعمل بمنطق الشبكات لا بمنطق الجبهات.
وعليه، فإن اختزال المواجهة ضمن الحدود اللبنانية ليس فقط خطأً استراتيجيًا، بل شكل من أشكال العمى السياسي.
حزب الله الذي يعمل اليوم ككيان مالي ولوجستي عابر للحدود لا يُواجَه بخطاب سيادي أو توازنات داخلية، بل بتجفيف موارده، وتعطيل شبكاته، ومساءلة كل من يوفّر له الغطاء أو التسهيل أو الصمت.
نعم إن سقوط الأسد أسقط قناع “وحدة الساحات”، لكنه كشف الحقيقة الأوسع أن حزب الله لم يعد مشكلة دولة واحدة، بل تهديد عابر للقارات وشبكات الإرهاب لا تُهزَم إلا عندما يُكسَر مالها قبل سلاحها، وتُفضَح بنيتها قبل شعاراتها.