في زمن المفاوضات الأميركية – الإيرانية… إضاءة على تاريخ الثورة في إيران

بقلم يوسف مرتضى

في كتابه “لعبة الشيطان”، الصفحة 129، يكتب روبرت دريفوس: “إن نفس القيادة الإسلامية اليمينية التي يقودها رجال الدين، التي أسقطت الشاه سنة 1979، هي هي التي كانت قد مولتها المخابرات المركزية الأميركية لمساندته ضد مصدق وإعادته إلى العرش سنة 1953”.

لقد غيّرت الثورة التي قادها الإمام الخميني في العام 1979 كل شيء. فبالنسبة للولايات المتحدة الأميركية أزاحت حليفًا موثوقًا، أما بالنسبة للاعبين الآخرين في مجال الحرب الباردة فلربما كانت الثورة الإيرانية أكثر مدعاة للقلق. ففي عهد الشاه، حليف الولايات المتحدة، تمكّن الاتحاد السوفياتي من إنجاز معاملات كثيرة ومريحة مع إيران، وبشكل خاص في مجال العلاقات الاقتصادية بين هاتين القوتين الجارتين.

ومع قيام الجمهورية الإسلامية في إيران بدأ الاتحاد السوفياتي يقلق من تمدد الإسلام السياسي، وبقي هذا القلق قائمًا حتى تفكك الدولة السوفياتية في العام 1991. ثم تبدلت الأحوال في البلدين الجارين لنشهد تحالف الضرورة المؤقت، من وجهة نظري، بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية وجمهورية روسيا الاتحادية.

وقد رأى عدد من واضعي السياسة الأميركية في التوجه الإسلامي لإيران عامل تهديد للاتحاد السوفياتي، وكان أكثر المتحمسين لهذا الرأي بريجنسكي، مستشار الأمن القومي في عهد الرئيس كارتر. ويذكر بريجنسكي في مذكراته “القوة والمبدأ” أنه بدأ يضغط من أجل سياسة أمنية أميركية تهدف إلى الاحتواء الكلي عبر “قوس الأزمات”، من خلال بناء روابط عسكرية قوية بمصر والمملكة العربية السعودية وباكستان وتركيا، أي البلاد الإسلامية الأربع الموجودة داخل هذا القوس، ومن ثم حشد قوى إسلامية لاحتواء السوفيات. وانسجامًا مع هذا التوجه تطلع بريجنسكي إلى إقامة تحالف واقعي جديد مع قوى الجهاد الإسلامي ومع الجمهورية الإسلامية في إيران.

وفي هذا المجال يقول ريتشارد كونام، صاحب كتاب “الولايات المتحدة ومدى استجابة الاتحاد السوفياتي: لا غربًا ولا شرقًا”، إن الهم الأول عند بريجنسكي “هو تشكيل تحالف مضاد للسوفيات في المنطقة التي أطلق عليها قوس الأزمات، وهو الذي آمن بإخلاص الخميني الشرس المناهض للشيوعية”.

فمستشار الأمن القومي الأميركي كان يرى أن “قوس الإسلام” هو الحل لاضطرابات “قوس الأزمات”. ويكون الثمن الذي سيدفعه السوفيات هو عدم الاستقرار الإقليمي في المناطق التي يسميها السوفيات “مستعمراتنا الداخلية”، أي الشعوب الإسلامية في آسيا الوسطى التي يمكن أن يصل تعدادها إلى أكثر من مئة مليون نسمة.

ويقول زلماي خليل زاد، سفير الولايات المتحدة السابق في أفغانستان، وهو محلل استراتيجي من المحافظين الجدد، في كتابه “العودة إلى اللعبة الكبرى”، إنه برغم المحاولات الرسمية السوفياتية الجارية لاستيعابها، فإن الوعي الإسلامي يشكل نوعًا من الثقافة المضادة، ويمكن أن يكون حساسًا لدرجة تستثير المسلمين إذا استمر السوفيات في حربهم على عقيدتهم وعلى رفاقهم المسلمين عبر الحدود. إن العداوة للاتحاد السوفياتي يمكن أن تزيد عمومًا في البلاد والجماعات الإسلامية.

ففي سنة 1979 وُضعت هذه النظرية موضع التطبيق، فأطلقت الولايات المتحدة الأميركية، بالتحالف مع باكستان والسعودية، الجهاد الإسلامي الذي هدد حكومة كابول الموالية للسوفيات ودفع بالاتحاد السوفياتي إلى الهجوم على أفغانستان وأشعل الحرب الأهلية لمدة عشر سنوات.

وبعد قيام الثورة في إيران تطورت العلاقات بين باكستان والإسلاميين الأفغان، وخاصة بعدما أسس الجنرال ضياء الحق نظامًا يقوم على الشريعة الإسلامية وشجع نمو الجماعة الإسلامية بزعامة أبو علي المودودي. وبينما كان آية الله الخميني مشغولًا بإقامة الجمهورية الإسلامية في طهران، كانت المخابرات المركزية الأميركية تزرع جيشها الإسلامي في أفغانستان.

وحسب جاري سيك في كتابه “مفاجأة أكتوبر”، 1991، ص 226، فإن ثلاث مراحل سارت بالتوازي مع التحالف الأميركي – الإسلامي الأصولي في أفغانستان: أولها ما أطلق عليه مفاجأة أكتوبر 1980، والثانية تتعلق بالعلاقة السرية بين إسرائيل وإيران في الثمانينات، أما الثالثة فتتعلق بالمحاولات السرية لإدارة ريغان للتقارب مع آية الله الخميني في إيران.

جاري سيك، الذي كان ضابطًا في البحرية الأميركية خدم في مجلس الأمن القومي تحت إدارة فورد وكارتر وريغان، يقول إن حملة ريغان – بوش “الأب” الانتخابية دخلت في محادثات سرية مع بعض القادة الإيرانيين للحيلولة دون الإفراج عن الرهائن، والوعد بشحن أسلحة أميركية وإسرائيلية إلى إيران سنة 1981.

كانت إيران بأمس الحاجة إلى الأسلحة من أجل معركتها مع العراق التي اندلعت في أيلول 1980 كحرب شاملة، وكانت إسرائيل تربطها علاقات عسكرية مزمنة مع إيران تعود إلى الصفقة العسكرية الأساسية التي أبرمها البلدان في عهد الشاه عام 1966.

وحسب ما ذكر سيك في كتابه: “ما هو جدير بالملاحظة أن الوسيط الأساسي في المحادثات الإسرائيلية – الإيرانية حول الأسلحة هو أحمد كاشاني، ابن آية الله سيد أبو القاسم كاشاني، رجل الدين الذي تلقى أموالًا سنة 1953 من المخابرات المركزية الأميركية من أجل تنظيم الدهماء الذين تظاهروا مطالبين بإسقاط حكومة محمد مصدق وعودة الشاه”.

وقد زار كاشاني إسرائيل سنة 1980، حسب سيك، الذي قال: “كانت هناك قنوات مفتوحة بين إسرائيل وإيران، وكانت تعمل قبل وصول أحمد كاشاني بزمن طويل. وفي ربيع 1980 وصلت إلى إيران حمولة سفينة صغيرة من الأسلحة الإسرائيلية”.

هذه الصفقة، التي تكررت لمرات عدة، والتي تمت بين وليم كيسي وغيره من المسؤولين السابقين لريغان وبين مجموعة الوسطاء الإيرانيين، تبين فيما بعد أن العديد منهم كان ضالعًا في فضيحة إيران – كونترا خلال الفترة ما بين 1984 – 1986.

يضيف سيك في كتابه “مفاجأة أكتوبر”، في الصفحة 115: “بدأت إسرائيل وإيران التعاون العسكري فيما بينهما أوائل الثمانينات، بما في ذلك الغارة الإسرائيلية على مفاعل أوزيراك النووي العراقي في 7 يونيو / حزيران 1981، التي دمرت هذا المفاعل قبل بضعة أيام فقط من نشوب الحرب العراقية – الإيرانية”.

في سنة 1983 وقعت حادثة تكشف إلى أي مدى عملت المخابرات المركزية الأميركية، تحت إدارة كيسي، مع المخابرات الإيرانية حينما كان من مصلحة البلدين المتبادلة أن يفعلا ذلك.

يكشف فلاديمير كوزيتشكين، رئيس فرع المخابرات السوفياتية في إيران في عهد الشاه، والذي ارتد لاحقًا، في كتاب مذكراته الصادر في نيويورك عام 1990، ص 104 – 105، أن الاتحاد السوفياتي كان يثمن الاستقرار في إيران في ظل نظام الشاه، وأن موسكو لم يكن لديها أي اتصالات سواء بالثوار الإسلاميين أو ما يطلق عليهم الجماعات الإسلامية الماركسية التي وجدت لها قضية مشتركة مع الخميني، وأن فرع المخابرات السوفياتية في إيران لم يساند حزب توده الشيوعي. وأنه عندما ارتد كوزيتشكين أراد أن يكسب عطف الدوائر الأنجلو – أميركية عن طريق تسليم المخابرات البريطانية والمخابرات المركزية الأميركية كل ما يعرفه عن حزب توده وأعضائه.

وحسبما ذكر جيمس بيل في كتابه “النسر والأسد”، 1988، ص 273، فإن المخابرات المركزية الأميركية قد شاطرت السلطات الإيرانية المعلومات التي أفضى بها كوزيتشكين، وقامت بالقبض على ألف من أعضاء حزب توده، وكان الكثير منهم موضوعين فعلًا تحت المراقبة. ومن ضمن الذين ألقي القبض عليهم نور الدين كيانوري، زعيم حزب توده. وكان تحطيم حزب توده الشيوعي سنة 1983 مكملًا لتفكيك اليسار الإيراني.

إن سجل الشؤون الإيرانية، الذي حُكي وأعيدت حكايته في العديد من الكتب والمذكرات والتقارير الحكومية الأميركية الرسمية، وينظر على وجه الخصوص في تقرير لجنة الكونغرس المكلفة باستقصاء مسألة إيران – كونترا، نوفمبر 1987، وتقرير لجنة تاور الذي أعدته اللجنة الخاصة التي شكلها الرئيس ريغان برئاسة السناتور جون تاور “نيويورك 1997″، حسب ما ورد في كتاب “لعبة الشيطان” لروبرت دريفوس، ص 337، فإن “منتقدي طريقة معالجة الولايات المتحدة للمسألة الإيرانية باتهام إدارة ريغان ومستشاريه بأنهم اتخذوا من مسألة بيع الأسلحة لإيران ذريعة لإطلاق سراح الرهائن الأميركيين في لبنان، الذين تم أسرهم بمعرفة حزب الله، وهو مخلب القط بالنسبة لإيران، لم يكن دقيقًا”.

إن الدافع الرئيس وراء السياسة الأميركية في تلك الحقبة يعود إلى ظروف الحرب الباردة التي كانت موجهة ضد الاتحاد السوفياتي، بما في ذلك الدعوة إلى قيام تحالف مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي تتضمن مقاومة مستمرة من جانب إيران للتوسع السوفياتي، بوجه خاص في أفغانستان. وهكذا أدى هذا التعاون بين أميركا وإيران الإسلامية إلى هزيمة الاتحاد السوفياتي في أفغانستان عام 1989، والتي ساهمت، إلى جانب أسباب أخرى، في تفكك الدولة السوفياتية.

اخترنا لك