زيارة الجنوب : الدولة تحت سقف “#الدويلة”

بقلم مروان الأمين
@m_elamine

سُوّقت زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى الجنوب تحت عنوان: “عودة الدولة إلى الجنوب”. عنوان جرى تعميمه بسرعة حتى تحوّل إلى ما يشبه “Trend”، وكأن الدولة كانت غائبة.

هذه الزيارة ليست الأولى للرئيس سلام إلى الجنوب. في زيارته السابقة، قوبل بحملة تحريض واضحة من “الثنائي الشيعي”، كونها حصلت من دون تنسيق مسبق معه. اليوم، تغيّر المشهد: تنسيق كامل، استقبال منظم، وخطاب ترحيبي. لكن هذا التحوّل لا يعكس بالضرورة تبدلًا في الموقف السياسي بقدر ما يعكس حصول الزيارة تحت سقف “الدويلة”. وهذا الاستقبال قد ينقلب تحريضًا في أيّ لحظة، متى اقتضت مصلحة “الدويلة” ذلك.

يجب التوضيح أن الرئيس سلام ليس استثناءً في زياراته الجنوبية. سبقه رؤساء حكومات، ووزراء ومسؤولون حكوميون كُثر، قاموا بجولات مماثلة. من هنا، يبدو عنوان “عودة الدولة إلى الجنوب” عنوانًا مُفتعلًا ومُضخمًا، لا سيما أن طابع الزيارة إنمائي خدماتي بحت. فالدولة، على المستوى الخدماتي، لم تغب يومًا عن الجنوب. المدارس الرسمية، المستشفيات الحكومية، الإدارات والمؤسسات العامة، موجودة منذ عقود، حتى في القرى الحدودية مع إسرائيل. بل يمكن القول إن كثافة المنشآت الخدماتية في الجنوب قد تفوق ما هو موجود في مناطق لبنانية أخرى.

المشكلة، إذًا، ليست في غياب الدولة الخدماتي، بل في غياب سيادتها. السلطة الفعلية على الأرض ما زالت خارج يد الدولة، بيد “حزب الله”. غياب قرار الدولة في الحرب والسلم، وعدم حصر السلاح بيدها، هو ما قاد إلى الحروب المتكررة، تسببت بتدمير البنى التحتية والخدمات التي يُعاد ترميمها في كلّ مرة، فقط لتُدمَّر من جديد.

في هذا السياق، نتذكّر زيارة الرئيس فؤاد السنيورة إلى الضاحية الجنوبية بعد حرب 2006، أيضًا برعاية “الثنائي”، ولكن بمستوى تمثيل أعلى يومها، إذ رافق الرئيس نبيه بري السنيورة بنفسه. حصلت إعادة إعمار في الضاحية والجنوب، عادت الخدمات، وعاد السكان إلى بيوتهم. لكن النتيجة كانت: تعاظم نفوذ “حزب الله”، وتكرار فتح الجبهة في تشرين الأول 2023، وبأثمان بشرية وعمرانية وسياسية أفدح بكثير. هل المطلوب إعادة إنتاج التجربة نفسها، مع توقع نتائج مختلفة؟

الأولوية اليوم ليست للخدمات، بل لسيادة الدولة. ليس دور الدولة أن تكون مجرّد مزوّد خدمات يعمل تحت نفوذ سلطة “حزب الله”. مصلحة الجنوبيين، كما مصلحة اللبنانيين عمومًا، تقتضي أولاً استعادة الدولة سلطتها وهيبتها في الجنوب، واحتكارها قرار الحرب والسلم والسلاح. بعدها فقط، تأتي الخدمات كجزء من مشروع الدولة.

أمّا حين تقدّم الدولة خدماتها في ظلّ هيمنة “حزب الله” على الأرض، فهي عمليًا تساهم في تثبيت هذه الهيمنة، وتخفيف الضغط الشعبي عن “الدويلة”، الذي بدأ يتزايد نتيجة عدم قدرة “الحزب” على تلبية حاجات الناس من إيواء وترميم وإعادة إعمار.

إذًا، من الطبيعي، أن ترحّب “الدويلة” بزيارة “الدولة”، ما دامت مهمتها محصورة في تخفيف الضغط عنها في ما يتعلّق بإعادة الإعمار والخدمات، ولا تقترب من الجوهر: سلطة “حزب الله” على الأرض.

الناس، بطبيعتهم، يميلون إلى القوي، إلى من يملك القرار الفعلي. ومن الوهم الاعتقاد بأن الخدمات وحدها قادرة على فك ارتباط الناس بالسلطة المسيطرة. أولوية الأولويات تبقى واحدة: استعادة الدولة سلطتها من “الدويلة”. بعدها فقط، تصبح للخدمات قيمة سياسية، بوصفها أداة لتثبيت الدولة، لا لتجميل واقع “الدويلة”.

اخترنا لك