سؤال من #تقي_الدين_الصلح إلى “#حزب_الله”

بقلم بلال مهدي – خاص بوابة بيروت
@BilalMahdiii

لحظةٌ مفصلية من تاريخ لبنان كشفت أن الرئيس تقي الدين الصلح لم يكن سياسيًا عاديًا يساير اللحظة أو يجامل الشعارات. كان الصلح رجل دولة يمتلك شجاعة السؤال في زمن كان وما زال فيه السؤال يُعدّ خيانة، والصراحة تُحسب طعنًا في “قدسية المقاومة”. لذلك، حين جلس قبالة ياسر عرفات في دارة صائب سلام في المصيطبة، تحت وطأة الحصار “الصهيوني” لبيروت، لم يلجأ إلى المجاز، بل ضرب في صميم الحقيقة.

سؤال الصلح لم يكن استفزازًا، بل كان محاكمة أخلاقية وسياسية لياسر عرفات حين سأله، هل لديك سلاح سري لم يُستخدم بعد؟ هل لديك دعم دولي خفي سيتدخل في لحظة مفصلية؟

حينها جاء صمت عرفات جوابًا، وانقلب السؤال إلى اتهام، إذا لم يكن هناك لا سلاح حاسم ولا تدخل منقذ، فلماذا يُترك شعبٌ بأكمله رهينة حصار وموت ودمار؟ ولماذا تُستنزف مدينة احتضنت “القضية” حتى الرمق الأخير؟

تلك اللحظة لم تكن خلافًا سياسيًا عابرًا، بل كانت كسرًا لوهمٍ كبير. وهم المقاومة التي تملك دائمًا “ما لم يُكشف بعد”، فيما الحقيقة أن الكلفة تُدفع دائمًا من دم المدنيين، لا من حسابات القيادات.

اليوم، بعد عقود، يعود سؤال تقي الدين الصلح من قبره، لا ليُطرح على عرفات، بل ليقف وجهًا لوجه أمام “حزب الله”. يتبدّل الزمان، ويتغيّر المكان، لكن جوهر السؤال واحد، هل تملكون حقًا ما يبرّر استمرار السيطرة على قرار الحرب؟ هل لديكم أوراق حاسمة لم تُستخدم بعد، أم أن الشعب اللبناني يُستنزف مرة أخرى باسم معادلات ثبت زيفها؟

لو كان الرئيس الصلح شاهدًا اليوم، لقال بلهجته نفسها، بلا مواربة، لماذا يُترك لبنان معلّقًا على حافة الانهيار؟ ولماذا يُصادَر قرار الدولة، وتُستباح مؤسساتها، ويُمنَع عليها استعادة ما سُرق منها على مدى أربعين عامًا؟

عجز إيران عن حماية نفوذها، وسقوط نظام الأسد، أسقطا معًا وهم “توازن الرعب” الذي لم يعد يخدع أحدًا. وفي هذا السياق، يغدو السؤال بديهيًا، ما الذي يُبقي لبنان رهينة معادلات سقطت مبرّراتها، وأوهام لم تعد قائمة؟

الفرق بين الأمس واليوم أن بيروت المحاصَرة كانت تعرف من يحاصرها، أما لبنان اليوم فينزف من الداخل، تحت سطوة سلاح لا يخضع لمساءلة، وخطاب لا يعترف بالهزيمة، وإن تغيّرت الوقائع. المقاومة التي لا تراجع حساباتها تتحول إلى عبء، والقداسة التي تمنع السؤال تتحول إلى غطاء للاستمرار في الخطأ.

سؤال تقي الدين الصلح لم يكن دعوة للاستسلام، بل دعوة لإنقاذ ما تبقّى من وطن. واليوم، السؤال نفسه يُطرح، هل يتعظ “حزب الله” من دروس التاريخ، فينسحب من الساحات، ويعيد القرار إلى الدولة، لتستعيد دورها وهيبتها؟ أم أن الصمت سيبقى الجواب، فيما يُدفع اللبنانيون مرة جديدة ثمن أوهام لم تعد تقنع أحدًا؟

التاريخ لا يرحم، ولا يعفي من امتلك فرصة الخروج وفضّل البقاء في العناد. وسؤال الصلح، الذي هزّ عرفات، لا يزال معلقًا في وجه كل من يضع نفسه فوق الدولة، إلى متى تُدار المأساة باسم قضية، فيما الوطن ينهار؟

اخترنا لك