قصة التحول من تمكين الجسد إلى إدامة الاعتماد
@kchaya
بقلم كوثر شيا

كاتبة وناشطة سياسية
في زمنٍ كانت فيه الطبيعة هي الصيدلية الأعظم، وفي عيادات أبقراط قبل أكثر من 2300 عام، وُلدت مقولة لا تزال تتردد حتى اليوم:
“دع طعامك يكون دواءك”.
لكن المفارقة أن هذه المقولة نفسها تبدو اليوم غريبة على آذان اعتادت أن الدواء لا يأتي إلا من قارورة بلاستيكية أو علبة كرتونية تحمل شعار شركة عالمية.
بين رؤية أبقراط التي جعلت من الجسم معجزة قادرة على شفاء نفسها، ونموذج صناعي يزدهر كلما طال أمد المرض، تقع قصتنا اليوم. قصتنا كمرضى أصبحنا، من دون أن ندري، جزءًا من معادلة اقتصادية ضخمة لا تريد لنا الشفاء بقدر ما تريد لنا “الاستمرار”.
القسم الأول: عندما كان الطب يتواضع أمام قوة الجسد
أبقراط وفلسفة “القوة الشافية للطبيعة”
في جزر كوس اليونانية، أسس أبقراط مدرسة طبية كانت ثورية في مفهومها. لم يكن الطبيب آنذاك سوى مساعد متواضع لعمليات الشفاء الذاتي التي يجيدها الجسم. المبدأ الذي حكم تلك المدرسة عُرف لاحقًا باسم
“Vis Medicatrix Naturae”
أي “القوة الشافية للطبيعة”.
هذا المفهوم، الذي قد يبدو غريبًا في عصر الصيدليات المكدسة، كان يعني ببساطة أن الجسد يمتلك قدرة فطرية على إعادة التوازن. المرض، وفق هذه الرؤية، ليس عدوًا يجب قمعه، بل هو تعبير عن اضطراب في التوازن الداخلي، ودور الطبيب هو مساعدة الجسم على استعادة هذا التوازن، وليس فرض حلول خارجية عليه.
كان أبقراط مترددًا في إعطاء العقاقير القوية، مفضلًا العلاجات اللطيفة التي تعزز قوة الجسم الطبيعية. كانت طريقته مبنية على مراقبة الطبيعة ومساعدتها، وليس على قمعها. هذا النهج “المتواضع” للطب لم يكن نابعًا من قصور في المعرفة، بل من احترام عميق لحكمة الجسد.
القسم الثاني: التحول الكبير – متى أصبح المريض عميلاً؟
من علاج السبب إلى إدارة العرض
لا يمكن إنكار أن الطب الحديث أنجز معجزات حقيقية. المضادات الحيوية أنقذت ملايين الأرواح من أمراض كانت فتاكة، والتدخلات الجراحية أصبحت أكثر أمانًا ودقة. لكن التحول الأكبر لم يكن في الأدوات، بل في الفلسفة.
مع تطور الصناعة الدوائية في القرن العشرين، بدأ التحول التدريجي من “مساعدة الجسم على الشفاء” إلى “التحكم في الأعراض”. هذا التحول لم يكن مجرد تقدم علمي، بل كان أيضًا تحولًا اقتصاديًا. فالدواء الذي يُعطى لمرة واحدة ويشفي المريض نهائيًا هو أقل ربحية بكثير من دواء يُؤخذ يوميًا لبقية الحياة.
نموذج “الأدوية كخدمة”
في دراسة منشورة على PubMed، ناقش الباحثون نموذجًا جديدًا لشركات الأدوية الكبرى أطلقوا عليه “الأدوية كخدمة” (Medicines as a Service). الفكرة ببساطة أن الشركات أدركت أن مستقبلها لا يكمن فقط في ابتكار أدوية ثورية تشفي المرضى، بل في إبقاء أكبر عدد ممكن من المرضى على أدويتهم لأطول فترة ممكنة.
الدراسة تشير إلى أنه على الرغم من وجود أدوية فعالة لمعظم الحالات المزمنة، إلا أن الوصول إلى هذه الأدوية والالتزام بها لا يزال بعيدًا عما هو مطلوب لتحقيق الفعالية العلاجية الكاملة. لذلك يمكن خلق قيمة اقتصادية من خلال إبقاء المرضى على أدويتهم وزيادة التزامهم، وهو ما تسمح به نماذج الأعمال المبتكرة لشركات الأدوية.
بعبارة أوضح: القيمة الاقتصادية المستدامة اليوم ليست في شفاء المريض، بل في استمراره ضمن النظام العلاجي.
القسم الثالث: بالأرقام – من المستفيد الحقيقي؟
سوق الأمراض المزمنة
دعونا ننظر إلى الأرقام التي ترسم الصورة بوضوح:
• حجم سوق الأدوية العالمي تجاوز 1.5 تريليون دولار سنويًا.
• سوق الستاتينات (أدوية الكوليسترول) يُقدّر بحوالي 16.3 مليار دولار في 2024، ومن المتوقع أن يصل إلى 18.1 مليار دولار بحلول 2030.
• حوالي 50% من البالغين في الولايات المتحدة يتناولون دواءً واحدًا على الأقل يوميًا.
• أكثر من 20% يتناولون خمسة أدوية أو أكثر بشكل منتظم.
الأمراض المزمنة تمثل 74% من الوفيات عالميًا، وهي مسؤولة عن ما يقارب 90% من الإنفاق الصحي في بعض الأنظمة المتقدمة. هذا ليس مجرد عبء صحي، بل سوق ضخم ومستقر.
من يملك هذا السوق؟
الشركات الكبرى مثل Pfizer وAstraZeneca وMerck وNovartis وGlaxoSmithKline تسيطر على حصة كبيرة من سوق أدوية الأمراض المزمنة. هذه الشركات كيانات اقتصادية هدفها تحقيق أرباح للمساهمين، ومن الطبيعي أن تفضل نموذجًا يضمن تدفقًا نقديًا مستمرًا على نموذج ينهي العلاقة مع المريض بجرعة واحدة.
القسم الرابع: ماذا يحدث في الجسد؟
الكورتيزون: منقذ مؤقت أم اعتماد طويل؟
الكورتيكوستيرويدات (الكورتيزون) فعالة في قمع الالتهاب الحاد. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الاستخدام المؤقت إلى علاج مزمن.
الاستخدام المطول قد يؤدي إلى تثبيط محور الوطاء – النخامية – الكظر (HPA Axis). عندما يحصل الجسم على الكورتيزون من الخارج، يقلل إنتاجه الطبيعي بسبب آليات التغذية الراجعة السلبية. الغدة الكظرية قد تضعف وظيفيًا مع الوقت.
النتيجة أن التوقف المفاجئ قد يؤدي إلى أعراض انسحابية خطيرة، وأحيانًا إلى قصور كظري يحتاج إلى إشراف طبي دقيق. هنا يصبح الدواء عنصرًا يعتمد عليه الجسم بعد أن كان من المفترض أن يكون دعمًا مؤقتًا.
الستاتينات: خفض الرقم دون معالجة البيئة
الستاتينات تخفض مستوى الكوليسترول، وهذا يحسن بعض المؤشرات الإحصائية المرتبطة بخطر القلب.
لكن الكوليسترول مادة حيوية لبناء أغشية الخلايا، وإنتاج الهرمونات، وفيتامين D، ووظائف الدماغ. ارتفاعه غالبًا يرتبط بعوامل مثل الالتهاب المزمن أو مقاومة الأنسولين أو النظام الغذائي غير المتوازن.
الدراسات تشير إلى أن الالتهاب الجهازي يلعب دورًا مهمًا في تصلب الشرايين، وليس مستوى الكوليسترول وحده. لذلك فإن خفض الرقم لا يعادل بالضرورة إزالة السبب.
تعدد الأدوية: دائرة متسارعة
ظاهرة “التسلسل الوصفي” تحدث عندما يسبب دواء عرضًا جانبيًا يُفسَّر كمرض جديد، فيُضاف دواء آخر. وهكذا تتوسع القائمة العلاجية.
تعدد الأدوية (Polypharmacy) يُعرّف غالبًا باستخدام خمسة أدوية أو أكثر. وفق بيانات CDC، نسبة كبيرة من كبار السن يتناولون خمسة أدوية أو أكثر، وتزداد النسبة في مؤسسات الرعاية طويلة الأمد.
تعدد الأدوية يرتبط بزيادة خطر:
• السقوط
• التدهور المعرفي
• التفاعلات الدوائية
• الهشاشة لدى كبار السن
القسم الخامس: نموذج بديل – العودة إلى الأساس
طب نمط الحياة
ظهر خلال العقود الأخيرة تخصص يُعرف بـ “طب نمط الحياة”، يهدف إلى معالجة الأسباب الجذرية للأمراض المزمنة عبر ست ركائز أساسية:
1. التغذية الصحية قليلة التصنيع
2. النشاط البدني المنتظم
3. النوم الكافي
4. إدارة التوتر
5. العلاقات الاجتماعية الإيجابية
6. تجنب المواد الضارة
الأدلة العلمية
الدراسات تُظهر أن:
• فقدان 5–10% من الوزن يحسن مقاومة الأنسولين بشكل واضح.
• النظام الغذائي المتوسطي يقلل خطر أمراض القلب بنسبة تصل إلى 30% في بعض الدراسات.
• النشاط البدني المنتظم يخفض خطر السكري من النوع الثاني بنسبة تصل إلى 40%.
• برامج مكثفة لتعديل نمط الحياة أظهرت إمكانية دخول نسبة من مرضى السكري من النوع الثاني في حالة هدوء أو تحسن ملحوظ.
الخلاصة الموضوع من يتحكم في صحتك اليوم؟
المسألة ليست صراعًا بين الطب الحديث والطب القديم. كلاهما مهم.
المسألة هي:
هل نريد نموذجًا يعيد للجسد قدرته على التنظيم،
أم نموذجًا يُدير الأعراض إلى أجل غير مسمى؟
الدواء ضروري أحيانًا.
لكن الوعي ضروري دائمًا.
الجسد يمتلك قدرة مذهلة على التكيّف والتوازن عندما نوفر له البيئة المناسبة: غذاء حقيقي، نوم عميق، حركة، وعلاقات صحية.
السؤال النهائي:
هل نريد مرضى مدى الحياة، أم بشرًا أقوياء يعرفون كيف يعتنون بأجسادهم؟
الطب الحديث قوي.
لكن قوة الجسم الذاتية — عندما تُفهم وتُدعم — قد تكون أقوى.
طب نمط الحياة ليس “طبًا بديلًا”، بل عودة علمية إلى الأساس الذي يعمل عليه الجسم. من منظور تكاملي او شمولي، الإنسان ليس مجرد أرقام في تحليل دم، بل منظومة مترابطة: جسد، نفس، سلوك، وبيئة.
هذا التخصص يقوم على مبدأ بسيط وعميق:
إذا كان نمط حياتنا هو الذي أربك التوازن الداخلي، فإن تعديل هذا النمط هو أول خطوة لاستعادة التنظيم الذاتي.
في الرؤية الشمولية، الغذاء ليس سعرات فقط، بل معلومات بيولوجية تدخل إلى كل خلية. النوم ليس راحة فحسب، بل مرحلة إصلاح عصبي وهرموني عميق. الحركة ليست رياضة شكلية، بل وسيلة لتنشيط الدورة، وتحسين حساسية الأنسولين، وإعادة الحيوية للميتوكوندريا. أما إدارة التوتر، فهي المفتاح لإخراج الجسم من حالة الاستنفار المزمن إلى حالة الإصلاح.
طب نمط الحياة لا يعادي الدواء، لكنه يسأل:
هل يمكن أن نقلل الحاجة إليه عندما ندعم الأساس؟
من المنظور الشمولي، الصحة ليست قمع الأعراض، بل استعادة الانسجام. وعندما نعيد الانسجام بين التغذية، والنوم، والحركة، والعاطفة، يبدأ الجسم بأداء مهمته التي خُلق لها: التنظيم… ثم الشفاء.
في النهاية، طب نمط الحياة ليس نظامًا غذائيًا عابرًا، بل ثقافة عيش تحترم حكمة الجسد.
دع جسدك يشفي نفسه… عندما تمنحه البيئة التي يستحقها.