بقلم جان الفغالي
المشهد كان خياليًا، الأمين العام لـ “حزب الله” السيد حسن نصرالله في قريطم يعزي بالرئيس الشهيد رفيق الحريري.
الحاضرون في قصر قريطم يومها لم يصدقوا ما رأت أعينهم. فمنذ اللحظة الأولى للانفجار، توجهت أصابع الاتهام إلى “حزب الله” والنظام السوري، فكيف يأتي الأمين العام لـ “الحزب” للتعزية فيما حزبه المتهم الأول بعملية الاغتيال؟
تلك واحدة من أساليب التضليل والتعمية التي يمارسها “الحزب”، ليس في اغتيال الحريري، بل في الأحداث المشابِهة قبلًا وبعدًا، بدليل أن مسار التحقيق، وصولًا إلى قرار المحكمة الدولية، وجه أصابع الاتهام إلى “حزب الله”.
والسؤال البديهي الذي يطرح نفسه هو: مَن هم القتلة؟ وأين هم اليوم؟
المحكمة الخاصة وجهت الاتهام إلى خمسة أشخاص لهم ارتباط بـ “حزب الله” وهم: مصطفى بدر الدين، سليم عياش، حسين العنيسي، أسد صبرا، وحسن مرعي، بحسب الاتهام، هؤلاء كانوا متورطين في التخطيط والتنسيق لتنفيذ التفجير. يعد مصطفى بدر الدين من أبرز الأسماء المرتبطة بالقضية، ويوصف في الوثائق بأنه القيادي العسكري في “حزب الله” والذي خطط للعملية وأشرف عليها. بدر الدين قُتل في سوريا عام 2016 في ظروف مرتبطة مباشرة بالقتال الدائر هناك، وكان ذلك قبل انتهاء محاكمته في المحكمة الدولية. وقد أُعلنت وفاته رسميًا، وتم لاحقًا وقف النظر في القضايا ضده.
سليم عياش المتهم الرئيسي والمحكوم غيابيًا، اتهمته المحكمة بدور مركزي في تنفيذ العملية. المحكمة وجّهت إليه تهم القتل العمد ومؤامرة إرهابية، وأدانته غيابيًا بالسجن المؤبد. لم يتم القبض على عياش، وبقي متواريًا. وفي إحدى خطب السيد نصرالله، قال: “نحن ليس لدينا مجرمون، نحن لدينا قديسون، واليد التي ستمتد إلى المتهمين سنقطعها”، كانت تلك الإشارة إلى أنه ممنوع الاقتراب من المتهمين.
في تشرين الثاني من العام 2024 أوردت تقارير إعلامية أن عياش قُتل في سوريا في التاسع من ذلك الشهر في غارة جوية إسرائيلية استهدفته في منطقة القصير السورية. تلك التقارير لم تؤكدها أي جهة سواء أكانت رسمية أو غير رسمية.
مثل هذه التقارير، إذا تأكدت، فهذا يعني أن العنصر الرئيسي المدان باغتيال الحريري لم يعد موجودًا، وهذا ما يشكل تحولًا كبيرًا في مسار العدالة المتعلقة بهذه القضية بعد عقود من الهروب والغموض.
الثلاثة الآخرون، عنيسي وصبرا ومرعي، وُجهت إليهم تهم في لائحة الاتهام لكن المحكمة برأتهم.
تبرئة هؤلاء الثلاثة لا تعني إثبات براءتهم بشكل كامل من أي ضلوع سياسي أو تنظيمي، لكنها تعني أن المحكمة لم تجد أدلة قانونية كافية تربطهم مباشرة بتنفيذ اغتيال الحريري.
المحكمة استندت في القضية بشكل أساسي إلى بيانات اتصالات وسجلات هواتف متهمين، ما جعل نسبة الأدلة المحيطة ببقية المتورطين غير كافية لأحالتهم للقضاء.
لم تتم محاكمة قيادة “حزب الله” أو إدانتها رسميًا، رغم تصريحات أن أفرادًا مرتبطين بـ “الحزب” نفذوا العملية.
وتكون القضية استقرت على متهمَيْن قتلا في سوريا. يا للمصادفة!
هل هذا يكفي للقول إن ملف قضية اغتيال الرئيس الحريري قد طوي؟ يبدو أن عدالة السماء أقوى وأسرع من عدالة الأرض.