جنوب لبنان تحت الخطر : من رشّ المبيدات إلى معركة السيادة البيئية

خاص بوابة بيروت

في عيتا الشعب، كما في قرى الجنوب، لم يكن ما حدث مجرّد حادثة عابرة. نحن أمام ملفّ بيئي-صحي-سيادي متكامل، يتجاوز حدود الحقول ليصل إلى حقّ الإنسان في أرضٍ آمنة، وماءٍ نظيف، وغذاءٍ غير ملوّث.

التقارير الميدانية والتحقيقات العلمية التي أطلقتها الدولة اللبنانية – عبر المجلس الوطني للبحوث العلمية ووزارات الزراعة والبيئة والصحة – تؤكّد أنّ ما جرى ليس مجرد رشّ اعتيادي، بل استخدام لمواد عشبية بتركيزات مرتفعة، يُشتبه باحتوائها على الغليفوسات، في سياق أوسع من الضغط البيئي الممنهج على الجنوب.

ما هو الغليفوسات؟

الغليفوسات “Glyphosate” هو مبيد أعشاب جهازي واسع الطيف يُستخدم عالمياً منذ سبعينيات القرن الماضي للقضاء على الأعشاب غير المرغوبة في الحقول الزراعية وعلى جوانب الطرق. يعمل عبر تعطيل مسار إنزيمي في النباتات يُعرف بمسار الشيكيمات، المسؤول عن تصنيع أحماض أمينية أساسية لنمو النبات. عند تعطيل هذا المسار، تتوقف النبتة عن إنتاج البروتينات الحيوية فتذبل وتموت تدريجياً.

ورغم أن هذا المسار غير موجود في الخلايا البشرية، ما جعله يُعتبر لفترة طويلة أقل خطورة نسبياً مقارنةً بمبيدات أخرى، إلا أن الجدل العلمي اليوم لا يتمحور فقط حول آلية تأثيره المباشرة، بل حول:
•   تأثيراته التراكمية طويلة الأمد
•   المواد المضافة في التركيبات التجارية
•   أثره على البيئة والتربة
•   أنماط التعرّض المهني المزمن

في عام 2015 صنّفت الوكالة الدولية لأبحاث السرطان الغليفوسات كمادة “محتمل أن تكون مسرطنة للإنسان”، في حين خلصت هيئات تنظيمية أخرى مثل هيئة سلامة الغذاء الأوروبية و*وكالة حماية البيئة الأمريكية* إلى أن استخدامه ضمن الحدود التنظيمية المسموح بها لا يُظهر خطراً سرطانياً مؤكداً. هذا التباين يعكس اختلاف منهجيات التقييم والدراسات المعتمدة.

أولاً: المسار العلمي – الحقيقة بالأرقام لا بالشعارات

اتخذت الحكومة اللبنانية خطوات علمية متقدمة لضمان الشفافية:
•   إرسال عينات إلى مختبرات أوروبية معترف بها لضمان مصداقية النتائج.
•   توسيع المسوحات الميدانية لتشمل التربة والمياه والنباتات.
•   إعداد خرائط دقيقة لمستويات التلوث وتحديد رقعة الضرر.

المشكلة الكبرى هنا تكمن في التركيزات المرتفعة غير المنضبطة وفي الرش الجوي على مساحات مفتوحة، ما يضاعف احتمالات التلوّث العابر للحدود وتأثيره على السلسلة الغذائية.

ثانياً: المسار القانوني – من الميدان إلى مجلس الأمن

بتوجيه من رئيس الجمهورية جوزيف عون، باشرت وزارة الخارجية إعداد ملف علمي-قانوني متكامل، تمهيداً لتقديم شكوى رسمية إلى مجلس الأمن الدولي.

الملف سيتضمّن:
•   نوع المواد المستخدمة وتركيزها.
•   المساحات المتضرّرة.
•   التقييم الصحي والبيئي.
•   مطابقة الوقائع مع القوانين والاتفاقيات الدولية.

هذا التحرك لا يندرج فقط ضمن السياسة، بل ضمن مفهوم العدالة البيئية: أي حق الشعوب في بيئة سليمة وعدم تحويل الأرض إلى أداة ضغط.

ثالثاً: البعد الصحي والبيئي – عندما تصبح التربة جسداً حيّاً

التربة ليست مادة جامدة. إنها كائن حيّ نابض بالكائنات الدقيقة، بالفطريات النافعة، بالديدان التي تحرّك خصوبتها. رشّ المواد الكيميائية بتركيزات عالية لا يقتل الأعشاب فقط، بل:
•   يدمّر التوازن الميكروبي في التربة.
•   يضعف قدرة الأرض على الاحتفاظ بالماء.
•   يرفع احتمالات تسرّب السموم إلى المياه الجوفية.
•   يدخل في السلسلة الغذائية عبر المزروعات والحليب واللحوم.
•   يساهم في ظهور أعشاب مقاومة تستدعي جرعات أعلى مستقبلاً.

وفي سياق العدوان الأخير، ربط خبراء بين هذا الاعتداء واستعمال الفوسفور الأبيض سابقاً، الذي تسبّب بحرائق واسعة ودمار في الغطاء النباتي. نحن أمام حلقة متواصلة من الضغط البيئي الذي يهدّد الأمن الغذائي.

رابعاً: الأثر الاقتصادي – أرقام تنزف

وفق تقرير مشترك مع منظمة الأغذية والزراعة، تكبّد القطاع الزراعي اللبناني أضراراً مباشرة تُقدَّر بـ 118 مليون دولار، مع خسائر اقتصادية تجاوزت 586 مليون دولار نتيجة الاعتداءات الأخيرة على الجنوب والبقاع.

الأرض المحروقة أو الملوّثة ليست فقط خسارة بيئية، بل انهيار في دورة حياة كاملة: مزارع، عائلة، سوق محلي، اقتصاد قروي.

رسالة عاجلة إلى المزارعين

إلى أهلنا في الجنوب وكل لبنان:

نعلم أن بعض المبيدات يُستخدم بجرعات صغيرة ضمن الممارسات الزراعية التقليدية. لكن ما يحدث اليوم يجب أن يكون جرس إنذار جماعي.

حتى الكميات الصغيرة المتكررة من المواد الكيميائية:
•   تتراكم في التربة.
•   تضعف المناعة البيئية للنظام الزراعي.
•   تزيد من اعتمادكم على المزيد من المواد في حلقة مفرغة.

آن الأوان للتحوّل الجذري نحو الزراعة العضوية والتجديدية.
•   استبدال المبيدات الكيميائية بمستخلصات نباتية طبيعية.
•   اعتماد المكافحة الحيوية.
•   تعزيز خصوبة التربة بالكمبوست والسماد العضوي.
•   حماية البذور البلدية المقاومة.

الأرض التي نحميها تحمينا

نداء إلى الدولة اللبنانية

إلى وزارات:
•   الزراعة
•   البيئة
•   الصحة العامة
•   الاقتصاد والصناعة

المطلوب اليوم ليس فقط رفع شكوى دولية، بل:
1. منع استيراد وتصنيع المواد المصنّفة كمسرطنة أو عالية الخطورة.
2. تشديد الرقابة على الأسواق الزراعية.
3. دعم التحوّل الوطني نحو الزراعة العضوية.
4. إطلاق برنامج وطني لإعادة تأهيل التربة المتضرّرة.
5. إنشاء مختبر دائم لمراقبة السمّية الزراعية.

السيادة لا تُحمى بالسلاح فقط، بل بحماية الماء والهواء والغذاء.

معركة الأرض هي معركة الحياة

ما يحدث في الجنوب ليس حادثاً تقنياً، بل تحوّل خطير في طبيعة الصراع: من حدودٍ عسكرية إلى حدودٍ بيئية.

الأرض ليست ساحة تجارب. التربة ليست هامشاً في ملف سياسي. والصحة ليست تفصيلاً.

إذا لم نحسم خيارنا اليوم نحو بيئة نظيفة وزراعة نظيفة، سنجد أنفسنا بعد سنوات أمام أزمة صحية وزراعية أكبر من قدرتنا على العلاج.

التحرّك العلمي والدبلوماسي مهم. لكن التحوّل الداخلي في ممارساتنا الزراعية هو الحصن الحقيقي.

فلنحمِ أرضنا… لأن الأرض إذا مرضت، مرضنا معها.

اخترنا لك