نبيه بري يحرق ما تبقى من الدولة بين فرض الضرائب وتحريك الشارع

خاص بوابة بيروت

ما جرى في مجلس النواب ليس تفصيلاً في إدارة جلسة مناقشة للموازنة العامة، ولا اختلافًا عابرًا بين وزراء حول أرقام ورسوم. ما حدث يكشف، بشكل فاضح، كيف تُدار الدولة كأنها ملكية خاصة، وكيف يُصاغ القرار العام داخل غرفة واحدة، ثم يُوزَّع على المؤسسات لتقوم بدور الكومبارس في مسرحية اسمها “الحكم”.

في جلسة مناقشة الموازنة، تدخّل رئيس المجلس نبيه بري وطلب من الحكومة التعهّد بإقرار زيادات قبل نهاية شباط. الطلب لم يكن رأيًا عابرًا، بل جاء بصيغة الإلزام السياسي. يومها، انفجر وزير المالية ياسين جابر، وزير حركة أمل، في اعتراضٍ بدا أقرب إلى مشهد مسرحي منه إلى موقف تقني مدروس. الجميع يذكر الورقة التي ناولها الياس بو صعب خلال كلمته، في مشهد يختصر ارتباك اللحظة.

لكن المفارقة الصادمة لم تكن في الاعتراض، بل في ما تلاه. الوزير نفسه، الذي اعترض “بهيستيريا”، عاد ليقترح الزيادات ذاتها، فتمت الموافقة عليها داخل الحكومة، فيما سجّل وزير العدل اعتراضه بالانسحاب، احتجاجًا على ما اعتبره خضوعًا جماعيًا لإرادة “بري”.

ثم تكتمل الدائرة اليوم، إذ يقف رئيس اتحادات ونقابات قطاع النقل البري، المحسوب ميليشيويًا على نبيه بري، في طليعة المعترضين والداعين إلى التظاهر ضد الزيادات نفسها. المسألة ليست في خطط برّي، بل في نموذج حكمٍ يفرض القرار بيد، ويخرج للاحتجاج عليه باليد الأخرى.

أيّ سلطةٍ تلك التي تفرض الزيادات بيد، وتحرّك الشارع ضدّها باليد الأخرى؟ ما نشهده ليس ارتباكًا إداريًا، بل هندسة سياسية متقنة لإدارة الغضب. تُصاغ القرارات داخل المؤسسات، ثم يُفسَح المجال للاعتراض عليها في الشارع، لكن تحت سقف السيطرة نفسه.

هكذا تُمسك المنظومة بالعصا من طرفيها، تُحصّل الإيرادات، وتحتكر تمثيل النقمة، وتبقى هي الحكم والخصم معًا.

الأخطر أنّ هذه اللعبة تستخفّ بعقول اللبنانيين. فعندما يُختزل وزير المالية بصفة “وزير بري”، ويُقدَّم النقابي بوصفه “ممثّل برّي الشَّوارِعِيّ”، ويمرّ القرار عبر القناة نفسها التي تتصدّر الاحتجاج عليه، نكون أمام نموذج سلطوي يتخفّى خلف تعددية شكلية.

تتحوّل الدولة إلى واجهة، فيما يُصنع القرار الفعلي خارج مؤسساتها، ثم يُعاد تدويره داخلها ليُمنح طابع “الإجماع”، في مشهد يوحي بالشراكة فيما الحقيقة احتكار.

هذه ليست إدارة موازنة، بل إدارة مشهد. ليست معالجة أزمة، بل صناعة أزمة مضبوطة الإيقاع. وليست معارضة حقيقية، بل توزيع أدوار داخل منظومة تُحسن امتصاص الغضب، وإعادة توجيهه، ثم استثماره في الوقت المناسب. المشهد واحد، واللاعبون يتبدّلون مواقعهم، فيما تبقى القبضة نفسها ممسكة بالخيوط كلّها.

لبنان اليوم لا يواجه مجرد ضرائب مجحفة، بل انهيارًا في نظم الحكم الرشيد، حيث غابت المسؤولية والمحاسبة، وتلاشى الأمل في الفصل بين الدولة والشارع. حين تتحول الدولة إلى أداة في يد “زعيم ميليشيا”، ويصبح الشارع امتدادًا تفاوضيًا لها، يتجاوز السؤال حدود الزيادات والرسوم ليصبح عن بقايا الدولة نفسها.

المشهد، بكل خطورته، يرسخ حقيقة واحدة، ما لم يُكسر هذا النموذج في إدارة الحكم، سيبقى اللبناني يدفع الفاتورة مرتين، مرة عند إقرار القرار، ومرة عند التظاهر ضده.

اخترنا لك